احسان قاسم الصالحي

احسان قاسم الصالحي

دُرُوسُ قِزِلْ إِيجَاز - الدَّرْسُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ (Kızıl Îcâz Dersleri-23)

كَيْفَ يَحْمِلُ اللَّفْظُ الْمَعْنَى؟ دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ وَحِكْمَةُ نِعْمَةِ الْكَلَامِ

١٥ أكتوبر/تشرين الأوّل ٢٠٢٦
إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي

رأينا في الدرس السابق أنّ الوسيلة الموصلة إلى التصديق هي الحجّة. وينتقل السُّلَّم الآن إلى الميدان الكبير الثاني للتفكير، أي مباحث الألفاظ؛ لأنّ الإنسان لا يبني التصوّرات والتصديقات في ذهنه وحده، بل ينقلها إلى غيره بالألفاظ. ولا يستقيم عمل المنطق حتى تقوم الرابطة بين المعنى الذهنيّ واللفظ الدالّ عليه على وجه صحيح.

والسؤال المركزيّ في هذا الدرس هو: كيف يدلّ اللفظ على تمام المعنى الذي وُضع له؟

١. نَصُّ السُّلَّمِ الْأَصْلِيُّ

أَنْوَاعُ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ

دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ
يَدْعُونَهَا دَلَالَةَ الْمُطَابَقَهْ

ومعناه التقريبي:

«يسمّون دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وُضع له دلالةَ المطابقة».

فلفظ «الإنسان»، حين يدلّ على تمام المعنى الموضوع له، أي «الحيوان الناطق»، يدلّ بطريق المطابقة. ويوافق اللفظ المعنى من غير أن يقصر عنه أو يتجاوزه.

ويشرع السُّلَّم بهذا البيت في دراسة الدلالة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى ضمن بناء ثلاثيّ:

١. الدلالة على تمام المعنى: المطابقة.
٢. الدلالة على جزء المعنى: التضمّن.
٣. الدلالة على أمر خارج عن المعنى لازم له: الالتزام.

ويركّز درس اليوم على المرتبة الأولى، وهي المطابقة.

٢. شَرْحُ بَدِيعِ الزَّمَانِ فِي قِزِلْ إِيجَاز

أ. مِنْ أَحْوَالِ اللَّفْظِ الْأَرْبَعَةِ إِلَى مَيْدَانِ الدَّلَالَةِ

يذكر بديع الزمان أنّ مباحث اللفظ تُنظر من أربع جهات رئيسة: الوضع، والدلالة، والاستعمال، والفهم. وترتبط هذه الجهات على الترتيب بميادين اللغة والمنطق والبيان وأصول الاستنباط.

  • الوضع: جعل لفظ بإزاء معنى.
  • الدلالة: إرشاد اللفظ إلى ذلك المعنى.
  • الاستعمال: توظيف اللفظ في الكلام لمقصد معيّن.
  • الفهم: إدراك المخاطب للمعنى من الكلام.

وهذا الترتيب يرسم رحلة الكلام: تُنشأ أوّلًا رابطة بين اللفظ والمعنى، ثم يدلّ اللفظ عليه، ويستعمله المتكلّم في مقصد، وأخيرًا يفهم السامع المعنى.

ب. الْخِلْقَةُ الْمُدْهِشَةُ لِنِعْمَةِ الْكَلَامِ

لا يكتفي بديع الزمان بالتعريف الفنّي، بل يدعونا إلى التفكّر في الحكمة الإلهيّة المودعة في اللفظ. فنَفَس الإنسان يخدم استمرار الحياة، وهو في الوقت نفسه الأساس المادّي للكلام. والهواء الخارج من الرئتين يصير صوتًا حين يمرّ بمسالك الصوت، ثم يتحوّل الصوت إلى حروف عند تقطيعه في المخارج. وهكذا يصير النَّفَس الخفيّ رسلًا دقيقة منقوشة تحمل المعاني.

ويصوّر قزل إيجاز هذه الحقيقة بعبارة موجزة:

فَاللَّفْظُ زُبْدُ الْفِكْرِ، صُورَةُ التَّصَوُّرِ، بَقَاءُ التَّأَمُّلِ، رَمْزُ الذِّهْنِ.

أي:

«اللفظ خلاصة الفكر، وصورة التصوّر، وبقاء التأمّل، ورمز الذهن».

وتعرض هذه العبارة أربع وظائف للكلام:

  • خلاصة الفكر: يتركّز الفكر الواسع في اللفظ.
  • صورة التصوّر: يدخل المعنى الخفيّ في صورة مسموعة.
  • بقاء التأمّل: يُحفظ الفكر العابر بالكلام والكتابة.
  • رمز الذهن: يرسل باطن إنسان إشارة إلى ذهن إنسان آخر.

والألفاظ خفيفة، يتبع بعضها بعضًا بسرعة، وتحمل معاني كثيرة بكلفة يسيرة، ولا يمنع بعضها بعضًا في المكان كما تفعل الأجسام المادّيّة. ولذلك جعل الله تعالى الصوت والكلام وسيلة بديعة للاتصال بين العقول.

ج. «الْمُوَافَقَةُ» وَالِانْطِبَاقُ التَّامُّ

يدلّ تعبير مَا وَافَقَهُ في البيت على موافقة اللفظ للمعنى الموضوع له من جهة المقدار. ويقرّب بديع الزمان ذلك كأنّ الألفاظ أثواب قُدّت على مقادير المعاني: فلا يقصر اللفظ عن معناه ولا يتجاوزه إلى معنى آخر.

فإذا دلّ لفظ «المثلّث» على تمام الشكل ذي الأضلاع الثلاثة كانت الدلالة مطابقيّة. وإذا دلّ على كونه «شكلًا» فقط، انتقلنا من تمام المعنى إلى جزئه، وذلك من باب التضمّن.

د. هَلِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ أَمْ عَلَى الْمَوْجُودِ الْخَارِجِيِّ؟

يشير الشرح أيضًا إلى الخلاف الكلاسيكيّ في المدلول المباشر للفظ. فعند فريق، يدلّ اللفظ أوّلًا على المعنى الذهنيّ؛ وعند آخرين يدلّ على الشيء الخارجيّ.

وينظر الرأيان من جهتين مختلفتين. فالمتكلّم ينطق اللفظ لمعنى في ذهنه، لكنّه يقصد في كثير من الأحيان موجودًا أو حادثة في الخارج. فإذا قلنا «شجرة» حصل معنى الشجرة في ذهن المخاطب، وقد يدلّ السياق كذلك على شجرة معيّنة في الخارج.

فاللفظ بهذا الاعتبار جسر بين الذهن والعالم الخارجيّ.

٣. إِيضَاحُ الْمُلَّا عَبْدِ الْمَجِيدِ

يؤكّد الملّا عبد المجيد، عند بيان العلاقة بين الميادين الأربعة، أنّ اللفظ لا يخرج عن هذا التقسيم. فاللغويّ يقول: «وُضع هذا اللفظ لهذا المعنى»؛ والمنطقيّ يقول: «يدلّ هذا اللفظ على المعنى بالمطابقة أو التضمّن أو الالتزام»؛ وعالم البيان يقول: «استُعمل اللفظ هنا لهذا المقصد»؛ والأصوليّ يقول: «يُفهم من هذا الكلام هذا الحكم».

فاللفظ كالأمّ التي تنشأ عنها هذه العلوم، وكلّ علم يبحث في جهة منه.

ويبيّن الملّا عبد المجيد أيضًا أنّ المراد في تعريف المطابقة هو اللفظ المفرد؛ لأنّ دلالة الكلام المركّب على جزئه لا تكون دائمًا تضمّنيّة. فقد يدلّ جزء التركيب على معناه الموضوع له بالمطابقة بحسب بناء الكلام. ولحفظ حدود القسمة يُجعل اللفظ المفرد أصلًا في التعريف.

ويكشف شرحه مرّة أخرى سبب عناية المنطق بقيود التعريفات: فإذا سقط قيد صغير اختلطت الأقسام، وفقد التقسيم شموله وقوّته على التمييز.

٤. إِيضَاحَاتٌ مُسَاعِدَةٌ

مُلَاحَظَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ: مِقْيَاسُ دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ

ليست المطابقة شبهًا شكليًّا بين اللفظ والشيء الخارجيّ؛ فصوت كلمة «شجرة» لا يشبه الشجرة. وإنّما الموافقة هنا دلالة اللفظ على تمام المعنى المرتبط به بطريق الوضع.

ولذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور:

١. الدالّ: اللفظ الذي يدلّ، مثل «الإنسان».
٢. المدلول: المعنى الذي يدلّ عليه، مثل «الحيوان الناطق».
٣. الدلالة: رابطة الانتقال من اللفظ إلى المعنى.

ويتحدّد معيار «التمام» بحسب المعنى الذي وُضع له اللفظ. فإذا تغيّر المعنى الاصطلاحيّ تغيّرت حدود الدلالة. ولهذا ينبغي في البحث العلميّ ألّا نفتّش عن الكلمة وحدها، بل عن المعنى الذي أراده المتكلّم بها.

مَوْقِعُهَا فِي بِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ السُّلَّمِ

كان ترتيب البحث إلى هنا كما يأتي:

  • انقسم العلم إلى تصوّر وتصديق.
  • سُمّيت الوسيلة إلى التصوّر القول الشارح، والوسيلة إلى التصديق الحجّة.
  • ويُبحث الآن في كيفية دلالة الألفاظ على المعاني؛ لأنّ الألفاظ مادّة التعريف والحجّة معًا.

وليس هذا الترتيب اعتباطيًّا؛ فالتعريف والدليل يُبنيان بالألفاظ. وإذا لم نعرف ماذا يدلّ اللفظ، وكم يدلّ، وبأيّ طريق، غمض التعريف، واختلطت القضايا، ولم تقم الحجّة على أساس متين.

٥. صِلَاتٌ بِرَسَائِلِ النُّورِ

يُقرأ الكون في رسائل النور كثيرًا بوصفه «كتابًا كبيرًا»، وتُقرأ الموجودات كلماتٍ وحروفًا في ذلك الكتاب. وكما يدلّ كلام الإنسان على المعنى الذهنيّ، تدلّ المخلوقات على تجلّيات الأسماء الإلهيّة. غير أنّ القراءة الصحيحة لهذه الدلالة تحتاج إلى نظر المعنى الحرفيّ؛ أي ألّا ننظر إلى الموجود لحسابه وحده، بل بوصفه إشارة إلى صانعه.

ويُلفت النظر في الكلمة العشرين إلى المعاني الواسعة في كلمات القرآن وحروفه، ويبيّن إشارات الإعجاز خدمة النظم واختيار الكلمات والحروف للمعنى. وحكم قزل إيجاز بأنّ «اللفظ خلاصة الفكر وصورة التصوّر» يهيّئ لفهم المناسبة العالية بين لفظ القرآن ومعناه.

ويعلّمنا هذا البحث شكر نعمة اللسان أيضًا. فاللسان ليس آلة كلام فحسب؛ بل أمانة تحمل المعنى بين العقول، ووسيلة للعلم والتبليغ. واستعماله في الكذب أو الإسراف أو الغيبة أو تحريف المعنى يناقض حكمة خلقه.

٦. التَّطْبِيقُ الْيَوْمِيُّ

لنختر اليوم كلمة مهمّة نستعملها، مثل «العدل» أو «الخدمة» أو «الأخوّة» أو «الحرّيّة»، ثم نسأل:

  • ما تمام المعنى الذي أقصده بهذه الكلمة؟
  • هل يفهم مخاطبي منها المعنى نفسه؟
  • هل يحمل اللفظ مقصدي كاملًا، أم يُفهم منه أقلّ أو أكثر؟
  • هل استعملت نعمة الكلام اليوم لإظهار الحقّ وتأليف القلوب؟

وإذا وقع خلاف، فلنبحث قبل الحكم عمّا إذا كان الطرفان يريدان باللفظ الواحد المعنى نفسه. فكثير من الخلاف الظاهر ينشأ في الحقيقة من تحميل الكلمات معاني مختلفة.

وخلاصة اليوم:

اللفظ لباس المعنى؛ والكلام الخادم للحقيقة لا يُنقص المعنى ولا يتجاوز حدّه.

وفي الدرس القادم نبحث في التضمّن، وهو دلالة اللفظ على جزء معناه، والالتزام، وهو دلالته على لازم خارج عن المعنى.


خطّ المصادر: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، مبحث «أنواع الدلالة الوضعيّة»؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز، الحواشي المتعلّقة بالبحث؛ إيضاح الملّا عبد المجيد النورسي؛ رسائل النور، مباحث الكلمة والدلالة والمعنى الحرفيّ في الكلمات وإشارات الإعجاز. وهذه ترجمة أمينة لمقال سعيد أوزادلي التركيّ، من غير توسيع لمجاله.

Önceki ve Sonraki Yazılar
YAZIYA YORUM KAT
YORUM KURALLARI: Risale Haber yayın politikasına uymayan;
Küfür, hakaret, rencide edici cümleler veya imalar, inançlara saldırı içeren, imla kuralları ile yazılmamış,
Türkçe karakter kullanılmayan ve BÜYÜK HARFLERLE yazılmış yorumlar
Adınız kısmına uygun olmayan ve saçma rumuzlar onaylanmamaktadır.
Anlayışınız için teşekkür ederiz.