احسان قاسم الصالحي

احسان قاسم الصالحي

دُرُوسُ قِزِلْ إِيجَاز - الدَّرْسُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ (Kızıl Îcâz Dersleri-44)

القضية والخبر: القول الذي يحتمل الصدق والكذب

بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
٥ نوفمبر ٢٠٢٦ | ترجمة الدرس التركي الرابع والأربعين المؤرخ في ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦

بحثنا في الدروس السابقة التصور والتعريف والكليات الخمس. وينتقل السُّلَّم الآن إلى الميدان الثاني الكبير من المنطق، أي التصديق. وأول سؤال في هذا الانتقال هو: متى يسمى القول «قضية» أو «خبرًا»؟ والجواب كامن في كون الكلام حاملًا لحكم يمكن مقارنته بالواقع الخارجي.

١. متن السُّلَّم

مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ جَرَى
بَيْنَهُمْ قَضِيَّةً وَخَبَرَا

ومعناه التقريبي:

ما كان قابلًا للصدق بالنظر إلى ذاته جرى بين المناطقة باسم «القضية» و«الخبر».

ذكر البيت الصدق صراحة، وفُهم احتمال الكذب من مقابله. فالقضية ليست القول الصادق وحده، بل الحكم الذي يمكن تقييمه بالصدق أو الكذب. فقولنا: «الإنسان حي» قضية صادقة، وقولنا: «الإنسان حجر» قضية كاذبة. أما لفظ «الإنسان» وحده فلا يدل على حكم، ولذلك لا يوصف بالصدق ولا بالكذب.

٢. حواشي بديع الزمان على قزل إيجاز

يتناول بديع الزمان هذا التعريف المختصر ضمن الصلة الواسعة بين الفكر الإنساني والنظام الموجود في الكون. ففي العالم اختلاف وتغير ونظام محيط. وتظهر الاختلافات حقائق نسبية لا تحصى، وتكثر التحولات تلك العلاقات، ثم يربطها النظام بعضها ببعض ويجعلها أنواعًا. والأحكام التي ينشئها الذهن تمثيلات وعبارات عن هذه العلاقات، ويمكن من هذه الجهة قراءتها كأنها «قضايا كونية» مستخرجة من كتاب العالم.

وغاية الفكر الإنساني أن تصير النفس الناطقة خريطة معنوية للعالم، بانطباع الحقائق فيها. فالذهن لا يجمع مفاهيم متناثرة فحسب، بل يرى العلاقات بين الموجودات، ويحكم عليها، ويربط الأحكام بالأدلة.

وتبين الحاشية ترتيب مباحث المنطق أيضًا. فكثير من الحقائق يُعرف بالنسب والعلاقات. وتصاغ هذه العلاقات في صورة القضايا والنتائج، وتُستخرج النتائج بالأدلة. وأجزاء القضايا هي الموضوع والمحمول، ويتصوران بالتعريفات، وأجزاء التعريفات ترجع إلى الكليات الخمس. وهكذا تكون مباحث التصور والتعريف التي سبقت تمهيدًا لمباحث القضية والقياس.

وقيد «احتمال الصدق» يشمل الحكم المفهوم في الذهن والحكم المعبر عنه باللفظ. لكن يجب أن يكون هذا الاحتمال ناشئًا من ذات القول. فكون تصور ما في الذهن سببًا لأحكام جانبية لا يجعل ذلك التصور المجرد قضية. ولا بد في القضية من حكم يُثبت فيه شيء لشيء أو يُنفى عنه.

٣. إيضاح ملا عبد المجيد

يلفت ملا عبد المجيد النظر إلى أن للقضية جهة عقلية وجهة لفظية. فالحكم يُفهم أولًا في الذهن، ثم ينقله اللفظ إلى الخارج. ولذلك لا ينظر المنطق إلى صور الكلمات فقط، بل إلى الحكم والمعنى الذي تحمله الكلمات.

وقيد «لذاته» في التعريف قيد مميز. فعندما نتصور زيدًا يمكن أن ننشئ حكمًا آخر مثل: «صورة زيد حاضرة في ذهني». لكن هذا الحكم ليس هو نفس تصور «زيد» وحده. وينبغي أن تكون القابلية للصدق والكذب في الحكم الذي تخبر به القضية مباشرة، لا في معنى عارض أضيف إلى المفهوم بعد ذلك.

فإن وافقت القضية الواقع الذي تشير إليه كانت صادقة، وإن خالفته كانت كاذبة. ولا يخرجها الكذب عن كونها قضية؛ لأن المطلوب هنا ليس أن تكون النتيجة صادقة بالفعل، وإنما أن يكون الحكم قابلًا للتقييم من جهة الصدق والكذب.

ويفيد فعل «جرى» في البيت أن هذا الاسم قد شاع واستعمل وعُرف بينهم. فالقضية والخبر اسمان للقول الدال على الحكم في هذا المستوى.

٤. ملاحظة تحقيقية حول إحسان قاسم الصالحي

مع وجود جهد إحسان قاسم الصالحي في نشر النسخة الأساس وترتيبها، لم يُعثر في صفحات هذا البيت على شرح مستقل منسوب إليه صراحة. ولذلك لم تنسب إليه هنا فكرة خاصة.

٥. صلات برسائل النور

تدعو رسائل النور كثيرًا إلى قراءة الكون كتابًا يحمل المعنى. ولا تقتصر هذه القراءة على معرفة أسماء الموجودات، بل تقتضي إدراك علاقاتها ونظامها والمعاني التي تدل عليها في صورة أحكام. فلفظ «زهرة» تصور، وأما قولنا: «هذه الزهرة تظهر صنعة موزونة» فحكم يمكن البحث عن صدقه.

وهذا الفرق مهم في التفكر الإيماني أيضًا. فتكرار مفهوم ما ليس هو إنشاء حكم عليه بدليل. والتفكر حين ينتقل من التصور إلى التصديق يحتاج إلى ملاحظة ونسبة ودليل.

وهذه الفقرة صلة تفسيرية مبنية على موازين المنطق في قزل إيجاز، وليست اقتباسًا مباشرًا من رسائل النور.

٦. التطبيق اليومي

لنختر اليوم ثلاث جمل نستعملها، ولنفحصها بهذه الأسئلة:

  1. هل الجملة مجرد دعاء أو أمر أو سؤال، أم إنها تخبر بحكم؟
  2. هل يمكن مقارنة الحكم الذي تخبر به بالواقع الخارجي؟
  3. ما دليلي على صدق هذا الحكم؟
  4. هل أخلط بين المفهوم وبين الحكم الذي أنشأته عنه؟

قولنا: «أغلق الباب» أمر لا يوصف بالصدق والكذب. أما قولنا: «الباب مغلق» فقضية يمكن التحقق منها. وقولنا: «هذا الشخص موثوق» حكم أيضًا، لكنه يحتاج إلى ملاحظة ودليل حتى يُعد صادقًا. وهكذا يعلمنا المنطق أن نفرق في كلامنا بين الحكم والتمني، وبين المعرفة والرأي، وبين المفهوم والتصديق.

النتيجة

القضية أو الخبر حكم يقبل التقييم بالصدق أو الكذب بالنظر إلى بنيته. والمفهوم المفرد وحده ليس قضية؛ فالقضية تثبت نسبة إيجابية أو سلبية لشيء. والصدق هو مطابقة الواقع، والكذب مخالفته. وهذا التعريف الأول أساس لفهم أقسام القضايا وكيفية بناء القياس فيما بعد.

وفي الدرس التالي ننتقل إلى تقسيم القضايا إلى حملية وشرطية.

خط المصدر والتحقيق: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، بيت القضية والخبر؛ بديع الزمان سعيد النورسي، حواشي قزل إيجاز؛ وإيضاح ملا عبد المجيد النورسي في النسخة العربية الأساس التي رتبها إحسان قاسم الصالحي، ص ١٩٦-١٩٧ من المطبوع، ص ٤٤-٤٥ من ملف PDF. قورن البيت بالنسخة الأساس، ونُقلت الحواشي والإيضاحات بالمعنى من غير اقتباس مباشر طويل. وهذه ترجمة أمينة لمقال سعيد أوزادلي التركي رقم ٤٤، مع المحافظة على موضوعه وترتيب مصادره.

Önceki ve Sonraki Yazılar
YAZIYA YORUM KAT
YORUM KURALLARI: Risale Haber yayın politikasına uymayan;
Küfür, hakaret, rencide edici cümleler veya imalar, inançlara saldırı içeren, imla kuralları ile yazılmamış,
Türkçe karakter kullanılmayan ve BÜYÜK HARFLERLE yazılmış yorumlar
Adınız kısmına uygun olmayan ve saçma rumuzlar onaylanmamaktadır.
Anlayışınız için teşekkür ederiz.