دروس «قزل إيجاز» - الدرس السابع (Kızıl Îcâz Dersleri-7)

احسان قاسم الصالحي

من نعمة الإيمان إلى نعمة الرسول

بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي | ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

وقفنا في الدرس السادس عند قول الناظم:

نَحْمَدُهُ جَلَّ عَلَى الْإِنْعَامِ بِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ

ورأينا أن الحمد لا ينبغي أن يبقى كلمة على اللسان، بل يمتد إلى العين والأذن والعقل والقلب وسائر أجهزة الإنسان باستعمال كل نعمة فيما خُلقت له.

ثم ينقلنا البيت التالي من نعمة الإيمان والإسلام إلى مَن كان سببًا في تبليغ هذه النعمة إلى الإنسانية، فيقول:

مَنْ خَصَّنَا بِخَيْرِ مَنْ قَدْ أَرْسَلَا
وَخَيْرِ مَنْ حَازَ الْمَقَامَاتِ الْعُلَا

ومعناه على وجه التقريب: نحمد الله الذي خصّنا بخير من أرسل، وبخير من نال المقامات العلى.

لماذا ذُكر النبي بعد نعمة الإيمان والإسلام؟

إن الصلة بين البيتين ظاهرة الدلالة. ذُكرت أولًا نعمة الإيمان والإسلام، ثم ذُكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن لم يصل إلينا من تلقاء نفسه، وإنما بلّغه إلينا الرسول الكريم، وعلّمنا الإيمان، وجسّد الإسلام في حياته، وقدّم أكمل نموذج للعبودية.

ومن هذه الجهة تكون نعمة الانتساب إلى أمته نعمة إلهية عظيمة تستحق حمدًا وشكرًا خاصّين ضمن نعمة الإيمان والإسلام.

«مَنْ خَصَّنَا»: خصّنا به وأنعم علينا

من أدق تعبيرات البيت قوله: «مَنْ خَصَّنَا»؛ أي الذي خصّنا ووهب لنا عطاءً مخصوصًا. فالنص لا يكتفي بالقول إن الله أرسل رسولًا، بل يربط النعمة بنا مباشرة: خصّنا به وجعلنا من أمته.

ويلفت بديع الزمان في حاشيته إلى شرف الانتساب، إذ يقول إن المنسوب إلى الشريف يتشرف. ويشرح الملا عبد المجيد أن الإضافة إلى مَن عُرف بالشرف تقرّب المنسوب كذلك من المعرفة والشرف. فكوننا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس مجرد معلومة تاريخية، بل رابطة إيمان وهداية ومسؤولية.

فنحن لا نعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا عظيمًا عاش في الماضي فحسب؛ بل نؤمن بالقرآن الذي جاء به، ونتخذ سنته دليلًا، ونرى في الانتساب إلى أمته إحسانًا من ربنا. ومن ثم فالنبوة ليست واقعة منقطعة، وإنما هي وسيلة هداية حاضرة في إيماننا وعبادتنا وحياتنا.

«خير من قد أرسلا»

يصف الأخضري النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خير المرسلين. ويشير بديع الزمان إلى أنه مختار من أخيار في مراتب متتابعة. ويفصل الملا عبد المجيد هذه الإشارة: اختار الله من المخلوقات ذوي الحياة، ومنهم بني آدم، ومنهم ذرية إسماعيل، ومنهم قريشًا، ومنهم بني هاشم، ومنهم محمدًا عليه الصلاة والسلام.

والمقصود بيان اصطفاء يتدرج حتى يبلغ خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم. وهذا الشرح متعلق بعبارة الحاشية، وليس جزءًا من ألفاظ البيت المنظوم.

الرسالة والعبودية في المقامات العلى

بعد وصفه بخير المرسلين، يصفه الناظم بأنه خير من حاز المقامات العلى. ويمكن النظر هنا إلى جهتين متكاملتين: فهو رسول بلّغ وحي الله إلى الناس، وهو عبد عاش ما أُوحي إليه على أكمل وجه وأظهر أرفع مثال للعبودية.

فلا تظهر عظمته فيما قاله للناس وحده، بل تظهر أيضًا في كيفية عبوديته لربه. والرسالة التي دعا إليها تحققت في صدقه ورحمته وعبادته وأخلاقه.

النعمة تستدعي الشكر، ونعمة الرسول تستدعي الاتباع

في هذا الموضع درس عملي مهم. فكما أن شكر نعمة الإيمان لا يقتصر على قولنا: «الحمد لله، أنا مسلم»، فإن شكر الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتصر على محبته باللسان.

إن من الثمرات الطبيعية للمحبة الاتباع: محبة صدقه تدعونا إلى الصدق، ومحبة رحمته تدعونا إلى الرحمة، ومحبة عبادته تدعونا إلى تعظيم العبودية، ومحبة سنته تدعونا إلى توجيه حياتنا قدر الاستطاعة إلى الطريق الذي أبانَه.

وهنا يلتقي الدرس السادس بالدرس السابع: رأينا في السادس أن الشكر هو استعمال النعمة فيما خُلقت له، ونرى في السابع أن نعمة الإيمان والإسلام وصلت إلينا بواسطة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. فالشكر الحق هو معرفة الإيمان، والعمل بالإسلام، والسعي إلى اتباع رسول الله.

خلاصة الدرس

تقودنا كلمات قليلة من مقدمة «قزل إيجاز» إلى حقيقة واسعة: الإيمان نعمة، والإسلام نعمة، والقرآن نعمة، والانتساب إلى أمة الرسول الذي بلّغ هذه الحقائق وعلّمها نعمة عظيمة كذلك.

وشكر هذه النعم لا يكون بمجرد معرفتها، بل بحمل مقتضاها إلى حياتنا. فالذي يقول «الحمد لله» يحمد ربه على نعمة الإيمان والإسلام، ويشكره كذلك على أن جعله من أمة حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم. ومن أجمل ثمار هذا الشكر أن نجمع بين محبته والسعي إلى اتباعه.

وَاللّٰهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.


بيان المصدر والتحرير: هذه ترجمة عربية للمقال التركي السابع «İman Nimetinden Peygamber Nimetine» المؤرخ ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦، مع مقابلة مواضع الحاشية والشرح على النسخة العربية المعتمدة. الأصل: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز؛ وشرح الملا عبد المجيد النورسي في صيقل الإسلام، الصفحة المطبوعة ١٥٩ (الصفحة ٧ من ملف PDF). فقرات الربط والتطبيق تحرير تعليمي موافق لمقال سعيد أوزادلي، وليست اقتباسًا حرفيًّا جديدًا من المصادر.

İlk yorum yazan siz olun
YORUM KURALLARI: Risale Haber yayın politikasına uymayan;
Küfür, hakaret, rencide edici cümleler veya imalar, inançlara saldırı içeren, imla kuralları ile yazılmamış,
Türkçe karakter kullanılmayan ve BÜYÜK HARFLERLE yazılmış yorumlar
Adınız kısmına uygun olmayan ve saçma rumuzlar onaylanmamaktadır.
Anlayışınız için teşekkür ederiz.