إنسان واحد وجماعة: امتداد الحمد من اللسان إلى الجسد كله
بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي | ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وقفنا في الدرس الخامس عند شموس المعرفة وانكشاف الحقائق المستورة. وفي الدرس السادس ننتقل إلى قول الناظم الذي شرحه بديع الزمان:
نَحْمَدُهُ جَلَّ عَلَى الْإِنْعَامِ بِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ
أي: نحمد الله جلّ جلاله على أن أنعم علينا بنعمة الإيمان والإسلام. وتفتح هذه العبارة بابًا للنظر في الحمد الذي ينتقل من العلم إلى العمل، ومن اللسان إلى سائر أجهزة الإنسان.
من الثبوت إلى الإثبات، ومن العلم إلى العمل
يفسر بديع الزمان تكرار الحمد بقوله: «كرّره للإثبات بعد الثبوت، والإنشاء بعد الخبر، والعمل بعد العلم». فثبوت الحمد لله حقيقة نعرفها ونخبر بها. وأما قولنا: «نحمده»، فيجعل المتكلم مباشرًا لفعل الحمد، لا مكتفيًا بالإخبار عنه. وبذلك يدعونا النص إلى أن تظهر آثار المعرفة في العمل.
لماذا نقول «نحمده» ولا نقول «أحمده»؟
يشير بديع الزمان إلى أن الإنسان، وإن كان واحدًا، ليس وحده: «لأنه وإن كان واحدًا ليس وحده». فهو ذو أعضاء وأجزاء وذرّات قائمة بوظائفها. ويشرح الملا عبد المجيد النورسي هذا الموضع بأن المرء منفرد في ذاته، ولكنه ليس منفردًا في فعل الحمد؛ إذ تشاركه فيه طوائف أعضائه وأجزائه. لذلك جاءت صيغة الجمع مناسبة لمعنى الشكر الذي يشمل استعمال النعم كلها فيما خُلقت له.
الشكر العرفي: أن تُستعمل النعمة في موضعها
يبيّن الشرح أن الحمد هنا يتضمن الشكر العرفي، أي صرف ما أنعم الله به على العبد إلى الغاية التي خُلق لها. فلا يكفي أن يقول اللسان «الحمد لله» إذا انفصل استعمال العين والأذن والعقل عن مقتضى الشكر. وإذا نظر الإنسان بعينه في دلائل الصنعة والرحمة، وأصغى بأذنه إلى الحق، وسعى بعقله إلى المعرفة، صار لكل جهاز نصيب من الحمد. هذا بيان تربوي لمعنى الشكر، لا دعوى بأن لفظ كل عضو هو لفظ اللسان نفسه.
الجسد جماعة والروح مبدأ وحدتها
ينبّه بديع الزمان القارئ إلى أن البحث الآتي يمكن أن يُقرأ مستقلًّا عن شرح تلك الجملة، إذ استطرد فيه القلم. ويصف الإنسان بأن روحه واحدة، وجسمه جماعة من الأجزاء الحية. ويستعمل في شأن الخلية تصويرًا يلفت إلى حياتها ووظيفتها. ولا ينبغي حمل هذا التصوير على أنه تعريف تفصيلي للخلايا بلغة علم الأحياء المعاصر؛ فالمقصود في هذا السياق إبراز اجتماع الكثرة في حياة شخص واحد.
ترى العين، وتسمع الأذن، ويفكر العقل، وتجتمع هذه الأعمال في إدراك إنسان واحد. ولا يعلم المرء كل حركة في جسده على التفصيل، ومع ذلك ينتظم الجسد في حياة واحدة. ومن هنا يدعونا النص إلى التأمل في معنى الوحدة والتدبير.
«يس» كُتبت فيها سورة «يس»
يضرب بديع الزمان صورة بديعة: «فالشخص كصورة (يس) كُتب فيه سورة (يس)». يظهر الإنسان واحدًا، وتحمل أجزاؤه الكثيرة آثار الحياة والوظيفة. والمقصود من التمثيل تقريب اجتماع الوحدة والكثرة، فلا تُفصل الأعضاء عن حياة الشخص التي تنتظمها.
صلة برسائل النور وتطبيق اليوم
يمكن أن نقرأ هذا الموضع إلى جانب مباحث الحياة والروح والوحدة في رسائل النور: فاجتماع الأجزاء المختلفة في حياة واحدة يفتح باب النظر إلى النعمة والتدبير. هذه صلة للمقارنة والتأمل، وليست نقلًا حرفيًّا من موضع آخر في الرسائل.
ويعطينا الدرس ثلاث خطوات عملية: أن نحاول العمل بما علمنا من الحق، وأن نستعمل النعم في وجوهها الصحيحة، وأن ننظر إلى أجسادنا بوصفها أمانة ذات وظائف. فإذا قلنا في الصباح «الحمد لله»، سألنا أنفسنا: هل شاركت أعيننا وألسنتنا وأوقاتنا وعقولنا في هذا الحمد؟
خلاصة الدرس: ليس الحمد كلمة تُقال باللسان وحده؛ بل يظهر أيضًا في استعمال ما أُعطي لنا من قوى فيما ينفع ويرضي الله. والإنسان واحد في شخصه، ومعه جماعة من الأعضاء والأجزاء؛ ولذلك تحمل «نحمده» دعوة إلى حمد يشمل الحياة كلها.
وَاللّٰهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بيان المصدر والتحرير: هذه ترجمة عربية للمقال التركي السادس «Bir İnsan, Bir Cemaat: Hamdin Dilden Bütün Vücuda Yayılması» المؤرخ ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦. الأصل: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز؛ وشرح الملا عبد المجيد النورسي في نسخة صيقل الإسلام المعتمدة، الصفحة المطبوعة ١٥٨ وما يليها (الصفحتان ٦–٧ من ملف PDF). فقرات المقارنة والتطبيق صياغة تحريرية، وليست اقتباسًا حرفيًّا من الأصل.