كمية القضية الحملية: الشخصية والكلية والمحصورة والمهملة
بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
٧ نوفمبر ٢٠٢٦ | ترجمة الدرس التركي السادس والأربعين المؤرخ في ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
رأينا في الدرس السابق أن القضايا تنقسم إلى شرطية وحملية، وأن الشرح يبدأ بالحملية لأنها أبسط وأصل. ويصنف السُّلَّم الآن القضية الحملية بالنظر إلى كميتها، أي إلى مقدار الأفراد الذين يتناولهم الحكم.
١. متن السُّلَّم
كُلِّيَّةٌ شَخْصِيَّةٌ وَالْأَوَّلُ
إِمَّا مُسَوَّرٌ وَإِمَّا مُهْمَلُ
وَالسُّورُ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا يُرَى
وَأَرْبَعٌ أَقْسَامُهَا حَيْثُ جَرَى
ومعناه التقريبي: القضية الحملية إما كلية وإما شخصية. والكلية إما محصورة ذُكرت كميتها بسور، وإما مهملة لم يُذكر لها سور. والسور يكون كلياً أو جزئياً، فإذا ضُمَّت الكمية إلى الكيف ظهرت الأقسام الأربعة للمحصورات.
والسور هو اللفظ الذي يبين مقدار ما يتناوله الحكم من أفراد الموضوع، مثل: «كل» و«بعض» و«لا شيء من». فالمنطق لا يكتفي بما تحكم به الجملة، بل ينظر أيضاً إلى من يشملهم الحكم وكم يشمل منهم.
٢. حواشي بديع الزمان على قزل إيجاز
الفرق بين الشخصية والكلية
موضوع القضية الشخصية فرد معين، مثل: «زيد عالم» و«هذا الكتاب نافع». فمجال الحكم محدود بالشخص أو الشيء المعين.
أما موضوع القضية الكلية فمعنى مشترك يجمع أفراداً تحته، مثل: «الإنسان حي». غير أن وصف الموضوع بأنه كلي لا يعني دائماً أن الحكم موزع بالفعل على جميع الأفراد؛ إذ نثبت أولاً أن الموضوع مفهوم كلي، ثم يبين السور هل الحكم على جميع أفراده أو على بعضها.
ويبين بديع الزمان أن المفهوم الكلي قد يلحظ باعتبارات مختلفة. فقد يسري الحكم إلى الأفراد، وقد يلاحظ كون المفهوم نوعاً أو جنساً، وقد ينظر إليه من حيث وجوده في الذهن. وهذا يمنع من الخلط بين «المفهوم الكلي» و«الحكم على جميع الأفراد».
المحصورة والمهملة
إذا صُرِّح بكمية الحكم في القضية ذات الموضوع الكلي سميت محصورة أو مسوَّرة. فقولنا: «كل إنسان فان» كلية محصورة، وقولنا: «بعض الناس كتّاب» جزئية محصورة.
وإذا لم يُذكر لفظ يدل على الكمية سميت القضية مهملة، مثل: «الإنسان عجول». وقد تُفهم هذه العبارة في الخطابة والكلام اليومي على العموم، لكن المنطق لا يجعلها مقدمة كلية يقينية في الاستدلال ما دام شمولها لجميع الأفراد غير مصرح به؛ ولذلك تعامل في البرهان معاملة الجزئية.
كل قيد يحمل حكماً ضمنياً
تنبه الحاشية إلى أن السور قد يقع في مواضع مختلفة من الجملة، وقد يدخل أحياناً في المحمول فيحجب البنية المنطقية. وكل قيد في القضية يحمل في نفسه حكماً ضمنياً. ففي قولنا: «حق كل مؤمن الصدق» تُلحظ نسبة الصدق إلى المؤمن، وشمول هذه النسبة للمؤمنين، ودرجة ذلك الشمول.
ولهذا لا يكفي في أبواب العكس والتناقض والقياس أن ننظر إلى الموضوع والمحمول وحدهما، بل يجب أن نحسب حساب السور الدال على الكمية والقيد الدال على جهة الحكم. فكلمة صغيرة مثل «كل» أو «بعض» قد تغير نتيجة الاستدلال.
٣. إيضاح ملا عبد المجيد
يشرح ملا عبد المجيد القضية الشخصية بأنها التي بُني الحكم فيها على فرد معين. ففي قولنا: «زيد كاتب» لا نبحث عن كمية أخرى، لأن الموضوع شخص واحد معلوم.
أما في القضية الكلية فالموضوع معنى مشترك. فإن بُيِّن مقدار الأفراد الداخلين في الحكم بلفظ مثل «كل» أو «بعض» كانت القضية محصورة، وإن لم يُبيَّن بقيت مهملة.
والسور الكلي يعني أن الحكم يتوجه إلى الأفراد على سبيل التوزيع، لا إلى مجموعهم من حيث هو شيء واحد. فقولنا: «كل طالب مسؤول» يتوجه إلى الطلاب جميعاً، ولكن إلى كل واحد منهم على حدة.
أما السور الجزئي فيدل على «بعض» الأفراد. وإذا قلنا: «بعض الناس أحياء» لم يلزم منه أن الآخرين ليسوا أحياء. ولا يضيف المنطقي إلى القضية معنى مخالفاً لم يُذكر فيها، بل يقتصر على ما صُرِّح به، وهو ثبوت الحكم لبعض الأفراد على الأقل.
وإذا انضم الكيف الإيجابي أو السلبي إلى الكمية الكلية أو الجزئية نشأت المحصورات الأربع:
١. كلية موجبة: كل س هو ص.
٢. كلية سالبة: لا شيء من س هو ص.
٣. جزئية موجبة: بعض س هو ص.
٤. جزئية سالبة: بعض س ليس ص.
٤. ملاحظة تحقيقية حول إحسان قاسم الصالحي
لم يُعثر في صفحات النسخة الأساس المتعلقة بهذه الأبيات على شرح مستقل منسوب إلى إحسان قاسم الصالحي بوضوح. وقد حُفظ له جهد النشر والترتيب، من غير أن يُنسب إليه رأي خاص لم يثبت في النص.
٥. صلات برسائل النور
عند قراءة رسائل النور ينبغي الانتباه إلى مدى ألفاظ مثل «الإنسان» و«أهل الإيمان» و«أهل الضلال» و«بعضهم» و«الأكثرية». فالتمييز بين الحكم على شخص معين، والحكم على جميع أفراد طائفة، والحكم على بعضهم، يحفظ النص من التعميم الزائد.
وفي جمل التمثيل والتنبيه والنقد تكون قيود «بعض» و«أكثر» و«عموم» و«كل» حدوداً للمعنى. ونقل حكم قيل في بعض أفراد جماعة إلى جميعها تحويل للجزئية إلى كلية. كما أن ترك قاعدة عامة كلها لمجرد استثناء واحد قد يكون قراءة خاطئة لمجال الحكم.
وهذه الفقرة صلة تفسيرية مبنية على الموازين المنطقية في قزل إيجاز، وليست اقتباساً مباشراً من عبارة معينة في رسائل النور.
٦. التطبيق اليومي
لنختر اليوم ثلاثة تعميمات نسمعها أو نقولها، ثم نسأل:
١. هل الحكم على شخص معين أم على مفهوم مشترك؟
٢. هل ذُكر سور مثل «كل» أو «بعض» أو «لا شيء من»؟
٣. إذا لم يُذكر السور، فهل أعمم الحكم على جميع الأفراد بلا دليل؟
٤. إذا قيل «بعض»، فهل أحكم أيضاً على بقية الأفراد الذين لم يذكروا؟
قولنا: «الموظفون يتأخرون» قضية مهملة لا يتبين منها عدد المتأخرين. و«بعض الموظفين تأخروا اليوم» جزئية محصورة، أما «لا أحد من الموظفين تأخر عن الاجتماع» فكلية سالبة محصورة. واستعمال الكمية الصحيحة يوضح المعلومة ويمنع الظلم الناشئ من التعميم.
النتيجة
القضية الحملية شخصية أو كلية بالنظر إلى موضوعها. فإن صُرِّحت كمية الكلية بسور سميت محصورة، وإن لم تُصرح سميت مهملة. وقد يدل السور على جميع الأفراد أو على بعضهم. وإذا اجتمعت الكمية مع الكيف الإيجابي والسلبي نشأت المحصورات الأربع. ومن أهم دروس المنطق في الحياة اليومية أن وضوح الحكم لا يكتمل إلا بوضوح من يشمله الحكم وكم يشمل منهم.
وفي الدرس التالي نقرأ ألفاظ الأسوار الكلية والجزئية، والتقسيم الثماني الناشئ من اجتماعها مع القضايا الموجبة والسالبة.
خط المصدر والتحقيق: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، البيتان في تقسيم كمية القضية الحملية؛ بديع الزمان سعيد النورسي، حواشي قزل إيجاز؛ وإيضاح ملا عبد المجيد النورسي في النسخة العربية الأساس التي رتبها إحسان قاسم الصالحي، ص ١٩٩-٢٠٠ من المطبوع، وص ٤٧-٤٨ من ملف PDF. قوبل البيتان بالنسخة الأساس، ونقلت الحواشي والإيضاحات بالمعنى من غير اقتباس طويل مباشر.