القضايا قسمان: شرطية وحملية
بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
٦ نوفمبر ٢٠٢٦ | ترجمة الدرس التركي الخامس والأربعين المؤرخ في ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦
رأينا في الدرس السابق أن الحكم القابل لأن يوصف بالصدق أو الكذب يسمى «قضية» أو «خبراً». ويقسم السُّلَّم الآن القضايا - بالنظر إلى كيفية تأليف الحكم - إلى قسمين أساسيين: القضية الشرطية والقضية الحملية.
١. متن السُّلَّم
ثُمَّ الْقَضَايَا عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ
شَرْطِيَّةٌ حَمْلِيَّةٌ فَالثَّانِي
ومعناه التقريبي: ثم إن القضايا عند المناطقة قسمان: شرطية وحملية، وسيُقدَّم القسم الثاني منهما في الشرح.
يدل قيد «عندهم» على أن هذا تقسيم اصطلاحي عند أهل المنطق؛ فالمقصود ليس الجدل في الأسماء، بل فهم الفرق بين بنيتي الحكم.
- القضية الحملية: حكم يُثبت فيه محمول لموضوع أو يُنفى عنه، مثل: «الإنسان حي» و«الحجر ليس حياً».
- القضية الشرطية: حكم ينشئ علاقة اتصال أو انفصال بين قضيتين، مثل: «إذا طلعت الشمس وُجد النهار» و«العدد إما فرد وإما زوج».
٢. حواشي بديع الزمان على قزل إيجاز
يبين بديع الزمان أن هذين القسمين ليسا مجرد تصنيف؛ بل لكل واحد منهما وظيفة أساسية في بناء الأقيسة. فالحملية أساس الأقيسة الحملية، والشرطية أساس الاستدلالات الشرطية والاستثنائية. ومن ثم فإن معرفة أقسام القضايا تمهيد لفهم كيفية تركيب الأدلة فيما بعد.
الحكم في القضية الشرطية متعلق بالرابطة بين الطرفين. ففي المتصلة يحكم بالاتصال والمصاحبة بين قضيتين، وفي المنفصلة يحكم بالافتراق والتنافي بينهما. وقد تقوم هذه العلاقة على لزوم ضروري، وقد تكون مجرد مصاحبة واقعة. والمهم هنا أن ندرك أن الشرطية تنشئ نسبة جديدة بين حكمين تامين.
أما في القضية الحملية فيتعلق الحكم بنسبة المحمول إلى الموضوع. فعندما نقول: «الإنسان حي» نحمل «الحي» على موضوع «الإنسان». وقد تكون النسبة مساواة في الامتداد، وقد يكون أحد الطرفين أعم فيشمل الآخر. وفي الحملية السالبة تُرفع هذه النسبة، مثل: «الحجر ليس حياً».
ومع أن البيت ذكر الشرطية أولاً، فقد قُدِّمت الحملية في الشرح؛ لأن الحملية أبسط وأصل، وهي التي تتألف منها أطراف الشرطية. فقضيتا «الشمس طالعة» و«النهار موجود» حملِيّتان في نفسيهما، ثم تنشأ بينهما رابطة شرطية في قولنا: «إذا طلعت الشمس فالنهار موجود». وفهم الأجزاء يعين على فهم البنية المركبة منها.
وتنبه الحاشية أيضاً إلى أن المعنى المنطقي لا يطابق دائماً الصورة النحوية الظاهرة. فقد يُلبس المعنى الشرطي لباس الجملة الحملية، وقد يظهر الحكم الكلي في صورة جزئية، وقد تختبئ القضية في صفة أو قيد. فلا يقف المنطقي عند ظاهر العبارة، بل يبحث عن موضع الحكم الحقيقي فيها.
٣. إيضاح ملا عبد المجيد
يشرح ملا عبد المجيد الحكم بين طرفي الشرطية على صورتين: ففي المتصلة تقوم نسبة القرب والاتصال بين الطرفين، وفي المنفصلة تقوم نسبة الافتراق والتباعد. وقد يكون الاتصال لازماً، وقد يكون مجرد اتفاق في الوقوع؛ وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه.
أما الحكم في الحملية فهو ثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه. فإن تساوى الموضوع والمحمول في الامتداد ظهر معنى الاتحاد، وإن كان أحدهما أوسع ظهر معنى الاشتمال. فقولنا: «الإنسان حيوان ناطق» حملية موجبة، وقولنا: «الإنسان ليس بحجر» حملية سالبة.
ويؤكد الشرح أن المراد بـ«الثاني» هو الحملية التي ستُشرح أولاً، لأنها قد تكون جزءاً من الشرطية؛ فكانت الأولوية في التعليم للأبسط والأصل.
٤. التمييز بين الصورة والحكم
وجود لفظ «إذا» في الجملة لا يجعلها دائماً شرطية حقيقية في الاصطلاح المنطقي، كما أن ظهور الكلام في صورة جملة حملية واحدة لا يمنع أن يتضمن أحكاماً أخرى. والمقياس هو الجهة التي تعلق بها الحكم.
- «علي مجتهد»: حملية، لأن الحكم فيها بين الموضوع والمحمول.
- «إذا اجتهد علي نجح»: شرطية متصلة، لأنها تربط بين حكمين.
- «هذا العدد إما فرد وإما زوج»: شرطية منفصلة، لأنها تحكم بالانفصال بين طرفين.
وبهذا نتجاوز شكل الكلمات إلى البنية المنطقية للمعنى.
٥. ملاحظة تحقيقية حول إحسان قاسم الصالحي
مع وجود جهد إحسان قاسم الصالحي في نشر النسخة الأساس وترتيبها، لم يُعثر في صفحات هذا البيت على شرح مستقل منسوب إليه بوضوح. ولذلك لم يُنسب إليه رأي خاص في هذه المسألة.
٦. صلات برسائل النور
تُعرض الحقائق في رسائل النور أحياناً بحكم مباشر، وأحياناً ببيان الرابطة بين الشرط والنتيجة. فقولنا: «الإنسان عاجز» حكم حملي، أما قولنا: «إذا عرف الإنسان عجزه استند إلى القدرة الإلهية» فينشئ علاقة بين حكمين. ومعرفة هذه الرابطة تعين القارئ على متابعة حركة الدليل في النص.
وكثيراً ما تتصل في التمثيلات عدة قضايا: فيُثبت الحكم أولاً في عالم المثال، ثم تُبيَّن النتيجة التي تنظر إلى الحقيقة. فإذا تابع القارئ العلاقات بين الجمل، لا الجمل منفردة، ظهر له هيكل الاستدلال على وجه أوضح.
وهذه الفقرة صلة تفسيرية مبنية على الموازين المنطقية في قزل إيجاز، وليست اقتباساً مباشراً من عبارة معينة في رسائل النور.
٧. التطبيق اليومي
لنختر اليوم ثلاثة أحكام من حديثنا أو مما نقرؤه، ثم نسأل:
١. هل الحكم بين موضوع واحد ومحمول واحد؟
٢. أم هو علاقة اتصال أو انفصال بين حكمين؟
٣. هل تتفق الصورة اللغوية الظاهرة مع البنية المنطقية؟
٤. هل الرابطة ضرورية، أم أنها مبنية على مجرد وقوع الأمرين معاً؟
«العميل راضٍ» قضية حملية. أما «إذا كانت الخدمة متقنة رضي العميل» فهي قضية شرطية تربط بين حكمين. غير أن تعاقب حادثتين لا يثبت وحده وجود رابطة سببية ضرورية بينهما. فالمنطق يعلمنا أن نفحص درجة الرابطة كما نفحص الحكم نفسه.
النتيجة
تنقسم القضايا بحسب كيفية تأليف الحكم إلى حملية وشرطية. فالحملية تثبت محمولاً لموضوع أو تنفيه عنه، والشرطية تنشئ علاقة اتصال أو انفصال بين حكمين. ولما كانت الحملية توجد أيضاً في طرفي الشرطية قُدِّمت في التعليم. ويساعد هذا التقسيم على قراءة البنية الحكمية التي يحملها الكلام، لا صورته اللغوية وحدها.
وفي الدرس التالي ننتقل إلى أقسام الحملية: الشخصية والكلية، ثم المحصورة والمهملة.
خط المصدر والتحقيق: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، بيت تقسيم القضايا إلى شرطية وحملية؛ بديع الزمان سعيد النورسي، حواشي قزل إيجاز؛ وإيضاح ملا عبد المجيد النورسي في النسخة العربية الأساس التي رتبها إحسان قاسم الصالحي، ص ١٩٧-١٩٨ من المطبوع، وص ٤٥-٤٦ من ملف PDF. قوبل البيت بالنسخة الأساس، ونُقلت الحواشي والإيضاحات بالمعنى من غير اقتباس طويل مباشر.