لا تجوز «أو» في الحد، وتجوز في الرسم
بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
٤ نوفمبر ٢٠٢٦ | ترجمة الدرس التركي الثالث والأربعين المؤرخ في ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦
ماهية الشيء واحدة، غير أن العلامات الخارجية التي تعرّفه قد تكون متعددة. ولذلك لا يكون حرف «أو» في الحد الذي يبين الماهية، وفي الرسم الذي يعرّف بالصفات الخارجية، على حكم واحد. ويختم السُّلَّم مبحث التعريفات بهذا الحرف الصغير في الظاهر، ليعلمنا الفرق بين الحقيقة والعلامة.
١. متن السُّلَّم
جاء في النسخة الأساس آخرُ بيت من فصل التعريفات:
وَلَا يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ ذِكْرُ «أَوْ»
وَجَائِزٌ فِي الرَّسْمِ فَادْرِ مَا رَوَوْا
ومعناه التقريبي:
«لا يجوز ذكرُ أو في الحدود، ويجوز في الرسم؛ فافهم جيدًا هذا الميزان الذي نقلوه.»
و«أو» هنا حرف يدل على واحد من احتمالين أو أكثر. ولما كان الحد يقصد إلى بيان حقيقة الشيء وماهيته، لم يصح أن يدل على ماهيتين مختلفتين مترددتين إحداهما عن الأخرى. أما الرسم فيعرّف الشيء بخواصه وعلاماته الخارجة عن الماهية، وقد تكون للشيء الواحد علامات متعددة.
٢. حواشي بديع الزمان على قزل إيجاز
الحد يحفظ وحدة الحقيقة
تذكر الحاشية أن الحد صناعة علمية تبين طبيعة الشيء وحقيقته. ولما كانت حقيقة الشيء واحدة، فإن قولنا في الحد التام: «هو هذا أو ذاك» يخل بوحدة الماهية. فمثل هذا التعبير إما أن يعيد الحقيقة الواحدة بصورتين، وإما أن يوهم أن للشيء الواحد حقيقتين مختلفتين.
والحد ليس تعريفًا تقريبيًّا فحسب، بل يجمع الجنس القريب والفصل المقوِّم للماهية. فإذا قلنا: «الإنسان إما حيوان ناطق أو ماهية أخرى»، ترك التعريف ما كان ينبغي أن يعيّنه في دائرة الاحتمال، وزاد الشك بدل أن يرفعه.
ليست كل «أو» من نوع واحد
تفرق حاشية الأستاذ بين «أو» الدالة على التردد و«أو» الدالة على التقسيم. فيجوز أن يقسم المفهوم الأعلى أولًا، فيقال: «إما كذا أو كذا»، ثم يعرّف كل قسم بحده المستقل. ولا تقيم «أو» هنا حدين متنافسين لماهية واحدة، بل تفصل الأقسام بعضها عن بعض.
وهذا يبين أن الحرف لا يحكم عليه منفردًا، بل بحسب وظيفته في الجملة. فالتقسيم قد يكون تمهيدًا للتعريف، أما التردد فيخالف وظيفة الحد التي تقتضي التعيين.
يمكن تعدد العلامات في الرسم
لا يعتمد الرسم على الجنس والفصل المقومين للماهية، بل على الخواص والعلامات التي تساعدنا على معرفة الشيء. فقد يعرف الشخص بأنه «زارع» أو «كاتب»، بشرط أن تكون الصفة المستعملة مميزة حقًّا. ولا يعني تعدد العلامات أن لذلك الشخص ماهيتين مختلفتين.
وإشارة الحاشية إلى أن ذلك «جائز وواقع» تدل على أنه ليس إمكانًا نظريًّا فقط. فقد تظهر الصفات الخارجية في أزمنة وأحوال مختلفة. ومهمة الرسم ليست إنشاء الماهية، بل تمييز المجهول بعلامة معلومة.
٣. إيضاح ملا عبد المجيد
يشرح ملا عبد المجيد الحد بأنه «القول الدال على حقيقة الشيء». ولكل شيء حقيقة واحدة لا تتعدد في نفسها. فإذا دخلت «أو» الدالة على التردد في الحد منعت التعريف من الدلالة على ماهية واحدة. فإن كان البديلان يدلان على حقيقة واحدة كان ذلك تكرارًا لا حاجة إليه، وإن دلا على حقيقتين مختلفتين لزم تعدد الماهية؛ وكلاهما مخالف لمقصود الحد.
أما «أو» المستعملة في التقسيم فحكمها مختلف. إذ يقسم المفهوم الأعلى أولًا إلى أنواعه، ثم يعرّف كل نوع تعريفًا مستقلًّا. فلا يترك التعريف هنا مترددًا، وإنما يقع تصنيف منظم.
وفي الرسم قد تكون للشخص أو النوع خواص متعددة. وعلى الخط الذي يذكره ملا عبد المجيد يمكن أن يقال في الرسم: «هو الذي يزرع أو يكتب»، إذا كانت هاتان الصفتان مميزتين لا تشتركان مع غير المرسوم اشتراكًا يفسد التمييز. أما إذا كانت الصفة عامة مشتركة، فإنها لا تمنع دخول الأغيار، فلا يكون الرسم جيدًا.
ولا يعني ذلك إباحة استعمال «أو» في الرسم من غير ضابط. بل يجب أن يكون كل واحد من الأوصاف البديلة علامة موثوقة تدل على المرسوم، وإلا فقد الرسم قوته في التمييز.
٤. ملاحظة تحقيقية حول إحسان قاسم الصالحي
لم يُعثر في صفحة هذا البحث من النسخة الأساس على شرح مستقل يمكن تمييزه بثقة باسم إحسان قاسم الصالحي. ولذلك لم تنسب إليه فكرة خاصة، وفُصل بين ترتيب النشر وحاشية بديع الزمان وإيضاح ملا عبد المجيد.
٥. صلات برسائل النور
إن شرح حقيقة واحدة في رسائل النور بتمثيلات متعددة لا يعني أن الحقيقة قد تعددت؛ فالحقيقة واحدة، وإنما تتعدد النوافذ التي تطل عليها والأمثلة التي تقربها إلى الذهن. ويعلّمنا الفرق المنطقي بين الحد والرسم ألا نخلط بين التمثيل والماهية.
وقد يكون كون المصنوع متقنًا أو منظمًا أو نافعًا علامات مختلفة تهدي إلى الصانع نفسه. وهذه ليست عين الحقيقة، بل دلائل توصل إليها. أما العبارة التي تدعي بيان الماهية فلا يصح أن تترك المخاطب مترددًا بين «هذا أو ذاك». وهذه الفقرة ليست اقتباسًا مباشرًا من عبارة معينة في رسائل النور، بل صلة تفسيرية أقيمت على ميزان قزل إيجاز.
وينفع هذا الفرق أيضًا في الحكم على الناس. فمهنة الإنسان أو بلده أو سلوك عابر صدر منه ليس هو ماهيته كلها. ومن جعل بعض الصفات الخارجية حقيقة الشخص كلها فقد جعل الرسم حدًّا. والإنصاف يقتضي معرفة درجة العلامة والفرق بينها وبين الحقيقة.
٦. التطبيق اليومي
لنختبر اليوم تعريفًا أو وصفًا نستعمله بهذه الأسئلة:
- هل كلامي يبين الماهية أم يعطي علامة فحسب؟
- هل «أو» تقسيم حقيقي أم تترك المعرفة في التردد؟
- هل كل واحد من الأوصاف البديلة مميز حقًّا؟
- هل جعلت صفة خارجية حقيقة الشخص أو الشيء كلها؟
يجوز أن نعرّف مؤسسة بأنها «مكان يقدم التعليم أو يقوم بالنشر»، لأن هذين نشاطان مختلفان يدلان عليها. أما قولنا: «العدل إما حق أو منفعة»، فإذا أبقى الماهية بين احتمالين ولم يبيّنها، لم يكن تعريفًا حقيقيًّا.
وميزان اليوم المختصر:
الحقيقة واحدة، فلا يقبل الحد التردد؛ والعلامات قد تتعدد، فيقبل الرسم «أو» بشرط أن تكون كل علامة مميزة.
وبهذا البيت ينتهي فصل التعريفات. وفي الدرس التالي ننتقل إلى القضية والخبر، أي إلى القول الذي يحتمل الصدق والكذب.
خط المصدر والتحقيق: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، بيت «وَلَا يَجُوزُ فِي الْحُدُودِ ذِكْرُ أَوْ»؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز، صيقل الإسلام، ص ١٩٦ من المطبوع، ص ٤٤ من ملف PDF الأساس، والحواشي المتعلقة به؛ وإيضاح ملا عبد المجيد النورسي في الصفحة نفسها. قورن البيت بصورة النسخة الأساس، ونظمت الحركات والأسطر لتسهيل القراءة. وأقسام الحاشية والإيضاح ملخصات تفسيرية أمينة وليست اقتباسات لفظية. وينبغي تحقيق صلات رسائل النور بمواضع معينة مرة أخرى قبل طباعة الكتاب. وهذه ترجمة أمينة لمقال سعيد أوزادلي التركي رقم ٤٣، من غير تغيير موضوعه أو ترتيب مصادره.