ميزان التعريف الصحيح: أن يكون جامعًا مانعًا واضحًا
بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
٢ نوفمبر ٢٠٢٦ | ترجمة الدرس التركي الحادي والأربعين المؤرخ في ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
ليس تعريف الشيء أن نصفّ حوله كلمات اعتباطية. بل يجب أن يشمل التعريف جميع أفراد المعرَّف، ويمنع دخول ما ليس منه، وألا يحجب المجهول بعبارة أشد خفاء. وبعد أن بيّن السُّلَّم أنواع الحد والرسم والتعريف اللفظي، يذكر الآن الشروط المشتركة التي تُختبر بها صحة هذه التعريفات.
١. متن السُّلَّم
وَشَرْطُ كُلٍّ أَنْ يُرَى مُطَّرِدَا
مُنْعَكِسًا وَظَاهِرًا لَا أَبْعَدَا
وَلَا مُسَاوِيًا وَلَا تَجَوُّزَا
بِلَا قَرِينَةٍ بِهَا تُحُرِّزَا
المعنى التقريبي:
«يشترط في كل تعريف أن يكون مطردًا منعكسًا، ظاهرًا، غير أبعد من المعرَّف ولا مساويًا له في الخفاء؛ وإذا استُعمل المجاز فلا بد من قرينة تضبط المراد.»
يفيد قيدا «المطرد» و«المنعكس» أن يتطابق التعريف والمعرَّف من جهة الأفراد. فلا يكون التعريف أضيق من أن يشمل بعض الأفراد الحقيقيين، ولا أوسع من أن يُدخل الأغيار. أما الظهور فلا يعني سهولة الألفاظ وحدها، بل أن ينقل التعريف المخاطب فعلًا من المعلوم إلى المجهول.
٢. حواشي بديع الزمان على قزل إيجاز
الأساس الإنساني والعلمي للشروط
لا يعرض بديع الزمان فكرة الشرط في صورة قائمة تقنية مجردة. ففي عالم تُترك فيه استعدادات الإنسان وميوله حرة قد تختلط طرق الصواب والخطأ، والقريب والبعيد. وحين يجد أصحاب الفطرة السليمة الطريق الصحيح، يستخرجون من تجاربهم علامات وموازين تحفظ غيرهم من الخطأ. والقيود التي تسمى في العلوم «شروطًا» هي صورة منظمة لهذه الخبرة الواقية.
ولما كان المنطق يبحث في سلامة عمل القوة العاقلة، وضع للفكر موازين. فإذا استوفاها التعريف عُرفت صحته، وإذا فقدها كان فاسدًا أو بقيت صحته موضع شك. فالشروط ليست حواجز تجمّد الفكر، وإنما علامات تصونه من مسالك الخطأ.
الاطراد والانعكاس: مساواة من جهتين
تؤكد الحاشية أن العلاقة الأساسية بين التعريف والمعرَّف هي المساواة من جهة الأفراد. وتُختبر هذه المساواة من جهتين:
- أن يدخل كل فرد من أفراد المعرَّف في التعريف.
- أن يكون كل ما دخل في التعريف فردًا حقيقيًّا من أفراد المعرَّف.
فإذا اختل الاتجاه الأول أخرج التعريف بعض الأفراد، وإذا اختل الثاني أدخل الأغيار. وبالعبارة المشهورة يجب أن يكون التعريف جامعًا مانعًا. فقولنا: «الإنسان حي» يشمل أفراد الإنسان، لكنه لا يمنع دخول سائر الأحياء. وقولنا: «الإنسان هو الكاتب» يخرج من لا يكتب من أفراد الإنسان، فلا يكون جامعًا.
يجب أن يكون التعريف أظهر من المعرَّف
لكي ينتج التعريف معرفة، لا بد أن تكون العبارة الشارحة أظهر في الذهن من المعرَّف. فالتعريف بمفهوم أشد خفاء ليس إلا استبدال ظلمة بظلمة أخرى. كما أن مفهومين متساويين في الجهل لا يضيء أحدهما الآخر، إلا إذا كانت بينهما نسبة معلومة للناس فيُنظر في ذلك على حدة.
ويبرز تأكيد الأستاذ على «الظهور» وظيفة التعريف التعليمية إلى جانب صحته. فقد تكون العبارة صحيحة في نفسها، لكنها إن لم تُحدث وضوحًا في ذهن المخاطب لم تتم وظيفة التعريف.
المجاز والقرينة
ليس المجاز ممنوعًا مطلقًا في التعريف، لكن يجب أن توجد قرينة واضحة تنقل إلى المعنى المجازي. فالقرينة تدل أولًا على أن المعنى الحقيقي غير مراد، ثم تعين المعنى المقصود. وإذا فقدت الوظيفة الأولى بقي التعريف مفتوحًا على خطأ باطل، وإذا فقدت الثانية صار التعبير غموضًا قبيحًا لا يدل على المراد.
وقد تُفهم الاستعمالات العرفية المستقرة كأنها حقائق، فلا يكون كل مجاز في درجة واحدة من الإشكال. وإنما موضع الخطر هو المجاز الذي لا تصحبه علامة ويترك المخاطب مترددًا في المعنى المراد.
٣. إيضاح ملا عبد المجيد
يشرح ملا عبد المجيد شرطي الاطراد والانعكاس بحكمين كليين. فإذا انطبق التعريف والمعرَّف كل واحد منهما على أفراد الآخر تحققت المساواة، فلم يبق التعريف أعم ولا أخص. وهذه المساواة المتبادلة هي أساس الجمع والمنع.
وقيد «ألا يكون أبعد» يقتضي ألا يكون فهم المفهوم الشارح أشق من فهم المعرَّف. ولما كان التعريف سببًا ومرشدًا في الذهن، وجب أن يكون أسبق ظهورًا في المعنى. أما المفاهيم المتضايفة، فقد تحصل الفائدة في شرح أحدها بالآخر إذا كانت النسبة الجامعة بينهما معلومة للمخاطب، لا بمجرد تكرار المفهوم الخفي.
وينبه الإيضاح أيضًا إلى أن النفي في البيت يجب أن يُفهم مع كل قيد: فلا يكون التعريف أبعد، ولا مساويًا في الخفاء، ولا مجازًا بلا قرينة. فإذا حُمِل حرف النفي الأول على ما بعده من الألفاظ من غير تدقيق أمكن أن يختل المعنى.
٤. ملاحظة تحقيقية حول إحسان قاسم الصالحي
لم يُعثر في صفحات هذا البحث من النسخة الأساس على شرح مستقل موقّع باسم إحسان قاسم الصالحي. ولذلك لم تنسب إليه فكرة خاصة، وفُصل بين ترتيب النشر في النسخة وحاشية بديع الزمان وإيضاح ملا عبد المجيد.
٥. صلات برسائل النور
من المهم في المحاكمات الإيمانية في رسائل النور أن يحمل الدليل الدعوى، وأن يمنع في الوقت نفسه الاحتمالات الفاسدة. وعند الانتقال من الأثر إلى المؤثر ومن الصنعة إلى الصانع، تبني التمثيلات والأدلة طريقًا واضحًا ينقل المخاطب من المعلوم إلى المجهول. وبين هذه الطريقة وشروط الجمع والمنع والوضوح في المنطق قرب تعليمي؛ وليس المراد هنا نقل عبارة بعينها من الرسائل.
والتمثيل الذي يكثر الأستاذ من استعماله ليس مجازًا يحجب الحقيقة، بل يقوم مقام القرينة التي تدل على المراد. فإذا بُينت الجهة التي يُطبَّق منها التمثيل، لم يخلط القارئ بين الصورة والحقيقة. وهذا يبين أهمية ميزان: «إذا كان مجاز فلا بد له من قرينة» في القراءة والبيان.
ويلزم الانضباط نفسه عند الحكم على الناس. فتعميم صفة رآها المرء في بضعة أشخاص على جماعة كاملة تعريف فاسد وتعميم مختل الحدود. وتعلمنا دروس الأخوة والإنصاف في رسائل النور ألا نعرّف الشخص بخطأ واحد، وأن نجعل سعة الحكم على قدر الدليل.
٦. التطبيق اليومي
لنختبر اليوم تعريفًا نستعمله بخمسة أسئلة:
- هل يشمل التعريف جميع الأفراد الحقيقيين للموضوع؟
- هل يمنع دخول ما ليس من الموضوع؟
- هل ألفاظ الشرح أوضح من المعرَّف؟
- هل يعتمد التعريف على مفهوم آخر مساو له في الخفاء؟
- إذا كان فيه مجاز، فهل توجد قرينة واضحة تدل على المعنى المقصود؟
وعند تعريف شخص أو مؤسسة أو فكرة، لا نجعل مثالًا واحدًا تمام الماهية. ولنجعل التعريف مختصرًا واضحًا مضبوط الحدود قدر الإمكان، ولا نخفِ الاستثناء إن وُجد.
وميزان اليوم المختصر:
التعريف الصحيح يجمع أفراده، ويمنع أغيارَه، ويدل على المجهول بطريق أظهر.
وفي الدرس التالي نقرأ العيوب المردودة في التعريف، مثل الدور، واللفظ المشترك، والتطويل الذي لا فائدة فيه، وإدخال الحكم في التعريف.
خط المصدر والتحقيق: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، بيت «وَشَرْطُ كُلٍّ أَنْ يُرَى مُطَّرِدَا» وما يليه؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز، ص ١٩٣-١٩٥ من مطبوع صيقل الإسلام، ص ٤١-٤٣ من ملف PDF الأساس، والحواشي المتعلقة بها؛ وإيضاح ملا عبد المجيد النورسي في الصفحات نفسها. وصلات رسائل النور ليست اقتباسات مباشرة، بل صلات تفسيرية. وهذه ترجمة أمينة لمقال سعيد أوزادلي التركي رقم ٤١، من غير تغيير موضوعه أو ترتيب مصادره.