دروس «قزل إيجاز» – الدرس الرابع (Kızıl Îcâz Dersleri-4)

احسان قاسم الصالحي

من الرحمن إلى الرحيم: التنبيه والامتنان والتدلّي والترقّي

بقلم إحسان قاسم الصالحي | عن المقال التركي لسعيد أوزادلي

وقفنا في الدرس الثالث عند لفظ الجلالة «الله»، ورأينا كيف يدل على الذات المقدسة بالمطابقة، وعلى صفات الكمال بالالتزام. واليوم نصل إلى الاسمين اللذين تختم بهما البسملة: الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.

تأمل بديع الزمان سعيد النورسي ترتيب هذين الاسمين، ووضع في حاشية «قزل إيجاز» عبارة قصيرة عميقة المعنى:

هذا مقام التنبيه لا الامتنان، فتكون صنعة التدلّي في التعديد امتنانًا صنعةَ الترقّي تنبيهًا.

وتدور المسألة على أربعة ألفاظ: التنبيه، والامتنان، والتدلّي، والترقّي. فإذا فهمنا صلة بعضها ببعض، ظهر لنا وجه لطيف من وجوه البلاغة والتأمل في ترتيب «الرحمن الرحيم». وقد شرح الملا عبد المجيد النورسي هذه الحاشية، فبيّن أن «الرحمن» يشير في هذا الموضع إلى عظام النعم، وأن «الرحيم» يلفت النظر إلى صغارها. وليس وصف النعمة بالصغر حكمًا بقلة شأنها.

التنبيه: إظهار ما غفلنا عنه

التنبيه هنا إيقاظ انتباه المخاطَب إلى نعمة بين يديه، لكنه لا يكاد يراها. يعرف الإنسان نعمة الحياة والشمس والماء، ويذكر بصره وسمعه وعقله؛ غير أنه قد يغفل عن نعم دقيقة تعمل في داخل هذه النعم الكبيرة: أن يبتلع لقمة بيسر، وأن يتذكر كلمة، وأن تتحرك أصابعه حين يريد، وأن يحمي جفنه عينه، وأن يمشي محافظًا على توازنه.

قد تبدو هذه الأمور صغيرة بالقياس إلى نعمة الحياة، ولكن اختلال واحد منها يكشف مقدار الحاجة إليه. فليس المقصود بالتنبيه أن نعيد عرض النعمة الظاهرة فحسب، بل أن نوجّه النظر إلى ما استتر من دقائقها. وفي بيان الملا عبد المجيد أن احتمال الغفلة عن النعم الصغيرة أقوى، ولذلك كانت أحوج إلى التنبيه.

الامتنان: التذكير بالإنعام

الامتنان في هذا البحث ليس توبيخًا للمُنعَم عليه ولا تعييرًا له. المراد به مقام يُذكِّر فيه المُنعِمُ المخاطَبَ بما أفاض عليه من نعم، ليُظهر إنعامه. وفي مقام تعداد النعم على هذا الوجه قد ينتقل الكلام من الأصغر إلى الأكبر، فيزداد أثره قوةً درجة بعد درجة.

لكن حاشية بديع الزمان تنص على أن المقام هنا مقام تنبيه، لا مقام امتنان. فليست الغاية الأولى أن تُرتَّب النعم بحسب كبرها حتى تُذكر على سبيل التعداد، وإنما أن يستيقظ الإنسان لما يمر به غافلًا من النعم الخفية. بهذا الفرق يتغير حكمنا على ترتيب الاسمين.

التدلّي: الانتقال من الكبير إلى الصغير

التدلّي نزول من الأعلى إلى الأدنى بحسب الجهة التي ننظر منها. ووفق جهة الدلالة التي تناولتها هذه الحاشية، يشير «الرحمن» إلى عظام النعم، ويشير «الرحيم» إلى النعم الأصغر والأدق. فيظهر الانتقال من الأول إلى الثاني كأنه انتقال من الكبير إلى الصغير.

غير أن الصغر في الحجم أو في ظهور النعمة لا يعني ضآلة قيمتها. ففي «إشارات الإعجاز» يفتح بديع الزمان هذا المعنى بأمثلة تقرّبه: العين نعمة عظيمة، والحاجب أصغر منها لكنه يكمل منفعتها؛ والباب كبير والمفتاح صغير، لكن الانتفاع بالباب قد يتوقف على المفتاح. ويذكر مثال الدابة واللجام أيضًا. فإذا توقفت فائدة الكبير على الصغير، صار الصغير عظيمًا من جهة وظيفته. وهكذا نتعلم أن نفرّق بين حجم الشيء وقيمته.

الترقّي: الصعود إلى ما هو أليق بالمقام

الترقّي انتقال في الكلام إلى ما هو أقوى أو أهم أو أوفق بالمقصد. وقد يخطر لنا أن صورته لا تكون إلا هكذا: صغير، ثم أكبر، ثم أعظم. لكن «قزل إيجاز» يعلّمنا أن المقياس قد يكون مقصد الخطاب لا حجم المذكور.

إذا نظرنا إلى ظاهر النعم قلنا: الانتقال من «الرحمن» إلى «الرحيم»، وفق البيان المتقدم، انتقال من الكبير إلى الصغير؛ فهو تدلٍّ من هذه الجهة. أما إذا نظرنا إلى حاجة الإنسان إلى التنبيه، وجدنا أن النعمة الصغيرة الخفية أشد تعرضًا للغفلة؛ فالانتقال إليها تقدّم نحو ما يحتاج إلى إيقاظ الانتباه أكثر. وهو من هذه الجهة ترقٍّ.

كيف يكون الترتيب الواحد تدلّيًا وترقّيًا معًا؟ لأن جهة النظر مختلفة: تدلٍّ باعتبار الكبر الظاهر، وترقٍّ باعتبار ما يقتضيه مقام التنبيه. وفي «إشارات الإعجاز» يتضح هذا المعنى أيضًا: قد تكمل النعمة الصغيرة الكبيرة، وقد يتوقف الانتفاع بالكبيرة على الصغيرة، وقد تشتد الحاجة إلى التنبيه على الصغيرة لخفائها.

من هنا نتعلم قاعدة نافعة في القراءة: لا نحكم على قيمة ترتيب الألفاظ قبل أن نعرف مقام الكلام ومقصده. فما يكون نزولًا في مقام تعداد النعم قد يصير صعودًا في مقام إيقاظ الغافل. وهنا تلتقي دقة النظر في المنطق بلطافة الترتيب في البلاغة.

صلة الحاشية ببقية آثار بديع الزمان

تقول حاشية «قزل إيجاز» في كلمات قليلة: «هذا مقام التنبيه لا الامتنان». ويفصّل الملا عبد المجيد وجه ذلك. فإذا رجعنا إلى «إشارات الإعجاز» رأينا أصل الفكرة نفسها وقد بُسطت بأمثلة النعمة الصغيرة التي تكمل الكبيرة، أو تفتح باب الانتفاع بها، وببيان شدة الغفلة عن النعم الخفية. وفي بعض دراسات التعليقات اللاحقة على «قزل إيجاز» ذُكرت هذه الصلة بين الموضعين أيضًا.

وهذه طريقة نافعة في درس آثار بديع الزمان: نقرأ عبارة الحاشية في موضعها، ثم نبحث عن بيانها في آثاره الأخرى، مع المحافظة على الفرق بين كلامه، وشرح الملا عبد المجيد، وما نستنتجه نحن من المقارنة.

الشكر الذي يرى النعمة داخل النعمة

نستيقظ صباحًا فنقول: «الحمد لله على نعمة الحياة». وهذا شكر حق. ثم يسألنا الدرس: هل رأينا النعم التي تعمل داخل هذه النعمة؟ هل نتنفس بسهولة؟ وهل نبتلع الماء، ونقف متوازنين، ونمسك الكأس، ونفهم كلام صاحبنا، وننام في الليل؟ وهل يستمر قلبنا في النبض دون أن نأمره؟

تستتر آلاف النعم الدقيقة في النعمة الكبيرة، وقد لا نعرف أسماء كثير منها حتى يختل واحد. لذلك فإن الترقّي في الشكر ليس مجرد الانتقال إلى تعداد نعم أكبر؛ بل أن نصير أقدر على رؤية النعم الخفية. وهذا يلتقي مع ما تقرره رسالة الشكر من رد النعمة إلى مُنعِمها الحقيقي، والتفكر في آثار رحمته.

خلاصة الدرس: الامتنان يذكّر بالنعم المعطاة؛ والتنبيه يكشف ما غفلنا عنه منها. والتدلّي نزولٌ بحسب عِظَم النعمة الظاهر، أما الترقّي هنا فصعودٌ إلى ما هو أدق وأحوج إلى التنبيه. وبذلك يتحول التأمل في ترتيب «الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» إلى تربية للقلب على رؤية الإنعام.

لعلنا نحفظ الدرس بهذه العبارة: رؤية النعمة الكبيرة شكر، ورؤية النعم الدقيقة المختبئة فيها تعمّق في الشكر. وهكذا نعود إلى غاية بديع الزمان من «قزل إيجاز»: تعويد الذهن على الدقة في الملاحظة والإنعام في النظر. قد يبدأ هذا العمق من نعمة صغيرة كانت تحت أيدينا كل يوم ولم ننتبه إليها.

وَاللّٰهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.


بيان المصدر والتحرير: هذه صياغة عربية لمقال سعيد أوزادلي «Kızıl Îcâz Dersleri-4: Rahmân’dan Rahîm’e: Tenbih, İmtinan, Tedellî ve Terakkî» المنشور في «Risale Haber» يوم ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦. وأصل الحاشية في نسخة «قزل إيجاز» المعتمدة، ضمن «صيقل الإسلام»، ص ١٥٦ المطبوعة (ص ٤ من ملف PDF)، ومعها شرح الملا عبد المجيد. والموازنة مع «إشارات الإعجاز» والتطبيقات اليومية مبيّنة بحسب مقالة الأصل التركية. اسم الكتاب هنا «قزل إيجاز» بالزاي، ومعناه الإيجاز؛ أما «إشارات الإعجاز» فهو عنوان كتاب آخ

İlk yorum yazan siz olun
YORUM KURALLARI: Risale Haber yayın politikasına uymayan;
Küfür, hakaret, rencide edici cümleler veya imalar, inançlara saldırı içeren, imla kuralları ile yazılmamış,
Türkçe karakter kullanılmayan ve BÜYÜK HARFLERLE yazılmış yorumlar
Adınız kısmına uygun olmayan ve saçma rumuzlar onaylanmamaktadır.
Anlayışınız için teşekkür ederiz.