ثلاثة أجوبة عن سؤال «ما هو؟»: الحد والرسم والتعريف اللفظي
بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ | أصل المقال التركي: الدرس ٣٦، ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
لا يريد الذهن الإنساني أن يحكم على الأشياء فحسب، بل يريد أولًا أن يعرف ماهية الشيء الذي يلقاه. ويجعل قزل إيجاز هذه الحاجة الفطرية محورًا عند الدخول في باب التعريفات. وندرس اليوم ثلاثة طرق لتعريف الشيء: الحد، والرسم، والتعريف اللفظي.
١. متن السُّلَّم
مُعَرِّفٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ قُسِمْ
حَدٌّ وَرَسْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ عُلِمْ
المعنى: ينقسم القول المعرِّف إلى ثلاثة أقسام: الحد، والرسم، والتعريف اللفظي.
يبين البيت أن الأجوبة عن سؤال «ما هذا؟» ليست في مرتبة واحدة. فمنها ما يقصد بيان الماهية، ومنها ما يعرف الشيء بصفات خارجية مميزة، ومنها ما يشرح لفظًا غير معروف بلفظ أشهر منه.
٢. حواشي بديع الزمان على قزل إيجاز
يفتتح بديع الزمان باب التعريف بالحاجة إلى السؤال المودعة في فطرة الإنسان. فالإنسان يحمل أمام الحوادث أسئلة خفية؛ وسؤال «ما؟» يلد المبادئ التصورية، وسؤال «لِمَ؟» يلد المبادئ التصديقية. والحكمة تجيب عن «ما هو؟» بالتعريفات، وعن «لماذا؟» بالأدلة.
وهذه البداية مهمة؛ فالتعريف ليس زينة لفظية، بل إعداد للذهن حتى يحكم حكمًا صحيحًا. فإذا عُرف تحت أي مفهوم كلي يدخل الفرد، سهل تطبيق حكم ذلك الكلي عليه. وإشارة الأستاذ إلى تسهيل الصغرى ناظرة إلى هذا المعنى: يحدد أولًا «ما هذا الشيء؟»، ثم يحكم عليه.
وتفرق الحاشية بين أنواع التعريف الثلاثة بإشارات موجزة قوية:
- الحد يقصد إحاطة طرفي الشيء، ويجيب عن ابتداء ماهيته وانتهائها بواسطة الجنس والفصل.
- الرسم لا يدخل إلى صميم الماهية مباشرة، بل يعرف الشيء بصفات خارجية معلومة تميزه. ويشبه الأستاذ الرسم بالبرهان الإني الصاعد من الأثر إلى السبب، والحد بالبرهان اللمي النازل من السبب إلى الأثر.
- التعريف اللفظي ينظر إلى الوضع، أي إلى المعنى الذي وضع اللفظ له، أكثر من نظره إلى حقيقة الماهية. وتدخل فيه شروح اللغة والاصطلاح.
كما يبين الأستاذ أن تقسيم الكلي إلى جزئياته يعين على تحصيل حدود الأقسام، وأن تحليل الكل إلى أجزائه يقرب من معرفة ماهيته في الخارج. فالتعريف الصحيح وثيق الصلة بالتقسيم الصحيح.
٣. شرح الملا عبد المجيد
يوضح الملا عبد المجيد أن «المعرِّف» قول يَصل بالمتعلم إلى تصور مجهول. وتنظيم التعريف بحيث يجمع أفراده ويمنع دخول الأغيار يحفظ حدود الفكر، فلا يختلط الشيء بما ليس منه.
في الحد يشير الجنس إلى البداية، والفصل إلى النهاية. فعندما نسأل عن الإنسان يدل «الحيوان»، وهو الجنس القريب، على جهة البداية، ويدل «الناطق»، أي صاحب الإدراك العقلي، على الحد الفاصل. ويعرض شرح الملا عبد المجيد هذا باعتباره جوابًا مجموعًا عن سؤالين: من أين؟ وإلى أي حد؟
أما الرسم فينطلق من خاصية خارجة عن مقومات الماهية. ولذلك لا يساوي الحد في قوة بيان الحقيقة، ولكنه نافع جدًا في تعريف المجهول. والتعريف اللفظي يشرح استعمال الكلمة؛ فالمقابلات المعجمية وتعريفات مصطلحات العلوم تدخل في هذا المستوى.
٤. التمييز بين الأنواع الثلاثة بالأمثلة
من أمثلة الحد في المنطق الكلاسيكي تعريف الإنسان بأنه «حيوان ناطق». فـ«الحيوان» جنسه القريب، و«الناطق» فصله المميز. ولا يراد بالناطق مجرد إخراج الصوت، بل قوة الإدراك العقلي والتفكير في المعاني.
وتعريف الإنسان بأنه «القابل للضحك» من جهة الرسم. فالقدرة على الضحك تساعد على معرفته، لكنها ليست من الأجزاء المقومة لماهيته.
أما شرح لفظ غريب بمرادف أشهر، أو القول إن العنقاء طائر مشهور بالذكر وإن لم يثبت وجوده في الخارج، فهو من مستوى التعريف اللفظي. والمقصود هنا تعريف استعمال الكلمة، لا كشف الماهية.
وإذا خلطنا هذه المستويات ظننا شرح اللفظ شرحًا للحقيقة، وجعلنا العلامة عين الماهية.
٥. ملاحظة التحقيق بشأن إحسان قاسم الصالحي
ورد اسم إحسان قاسم الصالحي في النسخة المعتمدة في سياق النشر والترتيب، لكن لم يثبت في هاتين الصفحتين تعليق مستقل منسوب إليه بوضوح؛ لذلك لا ننسب إليه تفسيرًا مباشرًا.
٦. صلة برسائل النور
يتكامل سؤالا «ما هو؟» و«لماذا؟» في عرض حقائق الإيمان في رسائل النور. فلا بد أولًا من تصور الحقيقة تصورًا صحيحًا، ثم تصديقها بأدلتها. ويساعد الفرق بين التعريف والدليل في قزل إيجاز على قراءة التمثيلات في الرسائل بدقة: فالتمثيل ليس عين الحقيقة، بل مرآة تقربها إلى الذهن.
وإذا لم نخلط بين الاسم والمسمى، والعنوان والحقيقة، والعلامة والماهية، صار فهمنا أرسخ. والنظر إلى المفهوم بحدوده، وما يدخله وما يخرجه، لا بمجرد اسمه المألوف، يعمق التفكر.
وهذه الفقرة صلة قرائية بنيت على مقاييس قزل إيجاز، وليست نقلًا مباشرًا من رسالة أخرى.
٧. التطبيق اليومي
ينشأ كثير من الخلافات اليومية من إعطاء اللفظ الواحد معاني مختلفة. فلنوضح ماذا نريد حين نقول: «النجاح»، أو «الخدمة»، أو «الوفاء»، أو «الحرية».
ولنختر اليوم مفهومًا مهمًا ونسأل:
- هل أذكر مجرد مرادف للكلمة؟
- هل أذكر علامة خارجية تدل عليها؟
- أم أقدم تعريفًا يبين نطاقها وصفة تميزها؟
وعندما نحكم على إنسان لا نجعل علامة سلوكية عارضة تمام ماهيته. فقولنا: «تأخر اليوم» ملاحظة، أما قولنا: «هو إنسان غير مسؤول» فحكم أوسع بكثير. ويمنحنا انضباط التعريف وضوحًا في اللغة وإنصافًا في الأخلاق.
النتيجة
الحد والرسم والتعريف اللفظي ثلاث درجات مختلفة من المعرفة. فمعرفة الكلمة، ومعرفة العلامة، وإدراك الماهية ليست شيئًا واحدًا. والفكر السليم يحدد أولًا مستوى سؤال «ما هو؟»، ثم ينتقل إلى الحكم والدليل.
ملاحظة المصادر والتحقيق: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، بيت فصل المعرّفات؛ حواشي بديع الزمان سعيد النورسي على قزل إيجاز؛ وشرح الملا عبد المجيد النورسي في النسخة العربية المعتمدة التي رتبها إحسان قاسم الصالحي، الصفحتان المطبوعتان ١٨٩–١٩٠، الموافقتان للصفحتين ٣٧–٣٨ من ملف PDF. قوبل البيت العربي بالأصل، ونقلت الحاشية والشرح بالمعنى بدل الاقتباس الطويل المباشر.