بِنْيَتَا اللَّفْظِ: الْمُفْرَدُ وَالْمُرَكَّبُ
١٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٦
إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
رأينا في الدروس السابقة كيف يدل اللفظ على المعنى بالمطابقة والتضمن والالتزام. وينتقل السُّلَّم الآن إلى تقسيم جديد في مباحث الألفاظ: فكل لفظ مستعمل إما مركب وإما مفرد. ولا يقوم هذا الفرق على عدد حروف الكلمة، بل على دلالة أجزاء اللفظ على أجزاء المعنى المقصود.
١. نص السُّلَّم الأصلي
تقسيم اللفظ المستعمل
فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الْأَلْفَاظِ
مُسْتَعْمَلُ الْأَلْفَاظِ حَيْثُ يُوجَدُ
إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ
فَأَوَّلٌ مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى
جُزْءِ مَعْنَاهُ بِعَكْسِ مَا تَلَا
ومعناه التقريبي:
«اللفظ المستعمل، حيثما وجد، إما مركب وإما مفرد. والأول ما دل جزء منه على جزء من معناه المقصود؛ وأما المفرد الذي يليه فعلى خلاف ذلك».
في قولنا «كتب عليّ»، يدل كل من «كتب» و«عليّ» على جزء من المعنى المقصود للجملة كلها؛ فالقول مركب. أما «عبد الله» إذا استعمل عَلَمًا لشخص، فليس معنى «عبد» ومعنى «الله» جزأين مقصودين من ذات ذلك الشخص؛ فاللفظ بهذا الاستعمال مفرد.
٢. شرح بديع الزمان في قزل إيجاز
أ. التقسيم حكم شامل
لا يقرأ بديع الزمان البيت الأول على أنه مجرد تعداد لمصطلحين. بل يتتبع عموم تركيب «مستعمل الألفاظ» وقيد «حيث» ليبين شمول القسمة: كل لفظ مستعمل، في كل وقت وحال، يدخل في أحد القسمين.
والعبارة من حيث صورتها قضية حملية، إلا أنها تشبه القضية المنفصلة بما فيها من «إما… وإما…». وليس الترديد بين حكمين مختلفين، بل بين جزأين من المحمول نفسه. وهكذا يجمع النظم بين الاختصار واستيعاب جميع الأفراد.
ب. دقة «مع المركب» و«مركب من الأجزاء»
تذكر الحاشية دقة لغوية: قد يأتي لفظ المركب وحده عنصرًا في عبارة تدل على المصاحبة، فإذا قلنا «مركب من» نظرنا إلى أجزائه معًا. وهذه الدقة تعلم التعريف أيضًا؛ ففي اللفظ المركب تجتمع أجزاء متعددة لتكوين معنى واحد مقصود.
والضابط الأصلي عند بديع الزمان هو أن يدل جزء من اللفظ، مرتَّبًا في المسموع، بالذات ومع قصد المتكلم على جزء نافع في المعنى الكلي المقصود. فإذا سقط أحد هذه القيود عد اللفظ مفردًا في اصطلاح المنطق.
ج. المفرد: عدم لحاظ الغير، لا لحاظ عدمه
ليس المفرد صوتًا لا جزء له البتة. فكثير من الألفاظ المفردة مؤلف من حروف، وربما من أجزاء تبدو ذات معان في المعجم. والميزان ليس وجود تلك الأجزاء أو عدمها، بل هل قُصدت معانيها المستقلة في هذا الاستعمال؟
وبعبارة دقيقة من الشرح: المقصود في المفرد عدم لحاظ الغير، لا لحاظ عدم الغير. فقد يشتمل الاسم العلم على أجزاء، ولكن المتكلم إذا لم يقصد معاني أجزائه على حدة بقي مفردًا. واسم «عبد المجيد» حين يدل على شخص بعينه، لا يقصد المتكلم منه معنى العبودية الموجود في لفظ «عبد» استقلالًا.
ويفرق المنطق هنا بين حالين:
- لحاظ عدم الغير: إدخال عدم العنصر الآخر في الحكم.
- عدم لحاظ الغير: ترك النظر إليه في التعريف ولو كان موجودًا.
والمطلوب هو الثاني؛ وإلا لخرجت من التعريف أمثلة صحيحة كثيرة، منها الأعلام الشخصية.
د. القيود الستة في تعريف المركب
يفصل قزل إيجاز عبارة البيت الوجيزة إلى قيود. وحتى يكون اللفظ مركبًا:
- يجب أن يكون هناك لفظ.
- وأن يكون للفظ جزء.
- وأن يكون ذلك الجزء مرتبًا في اللفظ المسموع.
- وأن يقصد المتكلم دلالة الجزء.
- وأن تكون الدلالة بالذات من غير واسطة.
- وأن يكون للمعنى الذي يدل عليه الجزء سهم وأثر حقيقي في المعنى المقصود كله.
ولا نعد الفعل مركبًا من جهة دلالة مادته على الحدث وصيغته على الزمن؛ لأن المادة والصيغة ليستا جزأين لفظيين متتابعين في السماع على ذلك الوجه. ودلالة «الإنسان» على قابلية العلم بطريق الالتزام لا تجعله مركبًا؛ لأن تلك الدلالة ليست دلالة جزء لفظي بالذات. وكذلك لا يعتد باقتطاع حرف من «زيد» ثم إرادة معنى آخر له، ما دام ذلك ليس جزءًا مقصودًا نافعًا في المعنى الكلي.
هـ. لماذا ذكر المركب أولًا؟
يتضح المفرد في التعريف بمقابلته للمركب: فدلالة الجزء على جزء المعنى موجودة في المركب، وعدم تحقق بعض قيودها ينشئ صور المفرد المختلفة. لذلك تقدم تعريف المركب المثبت، ثم تبعه ما يعرف بانتفاء تلك القيود.
ويربط بديع الزمان هذا الترتيب بوضع الألفاظ أيضًا. فلا تستعمل الألفاظ للدلالة على معان محددة منفردة فقط، بل لتبليغ نسب وأحكام جديدة تنشأ من التركيب. إن انتظام الأجزاء هو الذي يظهر بناء المعنى.
٣. بيان الملا عبد المجيد
يفتح الملا عبد المجيد البناء المنطقي للبيت الأول: الموضوع هو «اللفظ المستعمل»، والمحمول ذو الشقين هو «إما مركب وإما مفرد». والعموم لجمع كل الاستعمالات، وقيد «حيث» يستوعب الأزمنة والأحوال.
ويمتحن قيود تعريف المركب بالأمثلة. فوجود الجزء وحده لا يكفي، بل ينبغي أن يتميز في السماع، وأن يراد معناه مستقلا في موضعه، وأن تكون دلالته بالذات، وأن يكون له نصيب حقيقي في المعنى كله. واسم «عبد المجيد» علمًا على شخص مفرد في هذا الاصطلاح، وإن كانت أجزاؤه ذات معان معجمية.
ويؤكد في بيانه أن المفرد يفهم على معنى «عدم لحاظ الغير». ولو بني التعريف على «لحاظ عدم الغير» لخرجت منه أسماء لها أجزاء موجودة، ولكن معاني تلك الأجزاء غير مقصودة. وهكذا يبين كيف تغير دقة صغيرة في العبارة مدى شمول الحد.
٤. ملاحظة منطقية: التركيب النحوي والتركيب المنطقي
قد يعد النحو اجتماع كلمتين أو أكثر تركيبًا. أما المنطق فله ضابط أخص: ينبغي أن تشترك معاني الأجزاء في المعنى الكلي المقصود في ذلك الاستعمال.
- «العلم نافع» مركب في النحو والمنطق.
- «عبد الله» إذا كان اسم علم، مفرد في المنطق.
- «الحيوان الناطق» إذا استعمل حدًا للإنسان، مركب؛ لأن معاني جزأيه داخلة في المعنى المقصود.
- ومادة الفعل وزمنه لا يأتيان جزأين صوتيين متتابعين مستقلين؛ فلا يصير الفعل مركبًا بهذا الاعتبار.
ويمنع هذا الفرق الحكم العاجل من ظاهر الشكل. فالمنطقي يسأل، قبل «كم حرفًا أو كلمة فيه؟»: «هل تدخل معاني هذه الأجزاء في المعنى الكلي الذي قصده المتكلم؟».
٥. بناء المعرفة في السُّلَّم
لم يأت موضع هذا الفصل اتفاقًا. فقد قسم السُّلَّم المعرفة أولًا إلى تصور وتصديق، ثم بين الحد الموصل إلى التصور والحجة الموصلة إلى التصديق. وبعد ذلك بحث وجوه دلالة اللفظ على المعنى. وهو الآن، بتقسيم المفرد والمركب، يعرفنا عناصر المفاهيم المستعملة في الحد والجمل التي تنشئ الحكم.
ويمضي البناء على هذا النسق: لفظ ← معنى ← علاقة الجزء بالكل ← تصور ← حكم ← تصديق. ويظهر المفرد غالبًا المفهوم، ويظهر المركب العلاقة بين المفاهيم. ولكن المنطق لا يجعل هذا الميل العام مساواة آلية؛ بل يبحث القصد في كل استعمال بعينه.
٦. توضيحات مساعدة
ليس تمييز المفرد من المركب اصطلاحًا منطقيًا قديمًا فحسب؛ فكثير من سوء الفهم اليوم ينشأ من تحميل أجزاء اللفظ معاني لم يقصدها المتكلم. ولا يستقيم أن نقسم اسم شخص إلى معانيه المعجمية ثم نحكم عليه بها، أو نقتطع كلمة من جملة ونحمل عليها قصد الجملة كله.
والقراءة الصحيحة تحفظ جهتين معًا: رؤية وظيفة الأجزاء وعدم فصل الجزء عن الكل. ففي القول المركب يخدم كل جزء المعنى الكلي، وينشأ ذلك الكل من انتظام الأجزاء المقصود.
٧. صلات برسائل النور
تبين طريقة تفسير القرآن في رسائل النور، ولا سيما في إشارات الإعجاز، أن القراءة لا تقف عند معنى الكلمة المعجمي، بل تتابع موقعها في الجملة وروابطها بسائر الكلمات. وقد تظهر وظيفة حرف، أو تقديم، أو تكرار، أو ترتيب جملة في المعنى الكلي. وتطبق هذه الطريقة عمليًا أن المعنى المركب ينشأ من ارتباط الأجزاء على وجه مقصود.
وفي بيان بديع الزمان لنظم القرآن لا تترك الكلمات منفردة كأحجار بناء متفرقة؛ بل تقرأ كل كلمة مع ما يجاورها، ومع مقصد الجملة والجهة الكلية للسورة. ويهيئ معيار المفرد والمركب في قزل إيجاز أرضية منطقية لهذا الانتباه إلى النظم.
وكذلك ينبغي ألا نقتطع جملة من سياقها عند قراءة الرسائل. معرفة معنى الكلمة بداية، أما فهم الحكم الذي بناه المؤلف فيقتضي رؤية نسبة الأجزاء إلى الكل.
٨. التطبيق اليومي
لنختر اليوم جملة قرأناها ونفحصها بأربعة أسئلة:
- ما المعنى الكلي المقصود من الجملة؟
- أي الألفاظ يدل مباشرة على أجزاء ذلك المعنى؟
- هل أحمل الأجزاء الظاهرة في كلمة معاني لم يقصدها المتكلم؟
- هل أخرج كلمة واحدة من سياقها وأجعلها بدل الحكم كله؟
ولنطبق المعيار نفسه حين نتكلم: نرتب الأجزاء التي تحمل قصدنا بوضوح، ونقلل اللبس الذي قد يجعل السامع يتعلق بكلمة واحدة ويفوته المعنى الكلي.
وخلاصة درس اليوم:
في القول المركب يدل الجزء على جزء من المعنى الكلي المقصود؛ أما المفرد فلا توجد فيه هذه الدلالة الجزئية المقصودة.
وفي الدرس التالي نقرأ تقسيم اللفظ المفرد إلى كلي وجزئي.
خط المصادر والتحقيق: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، فصل مباحث الألفاظ؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز، الحواشي على بيتي المفرد والمركب؛ بيان الملا عبد المجيد النورسي؛ عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، مباحث النظم والتركيب؛ رسائل النور، ولا سيما إشارات الإعجاز في النظم وعلاقات أجزاء الجملة. قوبل البيتان بملف قزل إيجاز العربي، صفحتَي PDF ٢٢-٢٣، المطبوعتين ١٧٤-١٧٥. هذا المقال ترجمة عربية أمينة للدرس التركي الخامس والعشرين بقلم سعيد أوزادلي المؤرخ في ٩ أكتوبر ٢٠٢٦.