جُزْءُ الْمَعْنَى وَلَازِمُهُ: دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ وَدَلَالَةُ الِالْتِزَامِ
١٦ أكتوبر/تشرين الأوّل ٢٠٢٦
إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي
رأينا في الدرس السابق أن دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وُضع له تسمى دلالة المطابقة. وينتقل السُّلَّم الآن إلى القسمين الآخرين من الدلالة الوضعية: فدلالة اللفظ على جزء معناه هي دلالة التضمن، ودلالته على معنى خارج عنه ولكنه لازم له هي دلالة الالتزام.
وتبين هاتان الدلالتان أن الذهن لا يقف عند المعنى التام للكلمة حين يسمعها؛ بل ينتقل تارة من الكل إلى الجزء، وتارة من المعنى إلى لازمه.
١. نص السُّلَّم الأصلي
وَجُزْؤُهُ تَضَمُّنًا وَمَا لَزِمْ
فَهُوَ الْتِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ الْتُزِمْ
ومعناه التقريبي:
«ودلالة اللفظ على جزء معناه تضمن، ودلالته على ما يلزم ذلك المعنى خارجًا عنه التزام، إذا أدرك العقل وجه اللزوم».
فدلالة لفظ «الإنسان» على تمام معنى «الحيوان الناطق» مطابقة، ودلالته على «الحيوان» وحده أو «الناطق» وحده تضمن، ودلالته على قابلية التعلم التزام.
والفرق الأساس هو:
- التضمن: المدلول داخل في المعنى الموضوع له.
- الالتزام: المدلول خارج عن المعنى الموضوع له، إلا أن الذهن ينتقل إليه منه.
٢. حواشي بديع الزمان على قزل إيجاز
أ. دلالة الجزء تقوم على أصلين
يؤسس بديع الزمان دلالة اللفظ على جزء المعنى على مقدمتين: إحداهما نقلية والأخرى عقلية.
أما النقلية، فهي أن العلماء قبلوا دلالة اللفظ على جزء معناه واستعملوها في الأحكام العلمية. وأما العقلية، فلأن الكل المركب لا يوجد من غير أجزائه؛ فإذا تصور الذهن الكل أمكنه أن ينتقل إلى أجزائه التي يتكون منها.
ولكن ليس كل تذكر لجزء تضمنًا، بل لا بد أن يلحظ الجزء من حيث كونه جزءًا من الكل. فإذا فهمنا «الحيوان» عنصرًا داخلًا في جواب سؤال «ما الإنسان؟» تحققت دلالة التضمن.
ب. بقية إرادة واحدة لا مقصد ثان مستقل
من القيود الدقيقة في الحاشية أن فهم المعنى التضمني يقع داخل الإرادة المتجهة إلى المعنى التام وكأنه بقية منها. أما إذا أريد الجزء بقصد مستقل ووضع مستقل، خرجت المسألة من التضمن وقد تدخل في المطابقة أو المجاز.
فحين نستعمل لفظ «البيت» في البناء الكامل ثم نفهم منه الجدار باعتباره جزءًا منه، تكون الدلالة تضمنية. أما إذا قلنا «البيت» ولم نرد إلا الجدار وحده استقلالًا، لم نعد نستعمل اللفظ في تمام معناه الوضعي.
وهذا يعلمنا أن أقسام الدلالة لا تتمايز بالمشار إليه وحده، بل كذلك بجهة الدلالة وكيفية القصد.
ج. مدلول الالتزام خارج المعنى
يشترط في اللازم، لكي يتميز الالتزام من التضمن، أن يكون خارجًا عن المعنى الموضوع له؛ لأن الجزء لازم للكل من وجه ما. ولو أدخلنا كل لازم داخلي في الالتزام لاختلط التضمن بالالتزام.
ولذلك تكون دلالة «الإنسان» على «الحيوان» تضمنًا، ودلالته على «قابلية تعلم العلم» التزامًا. فالحيوانية داخلة في حد الإنسان، أما قابلية التعلم فليست جزءًا من الحد، وإن كانت معنى ينتقل إليه الذهن من معنى الإنسان.
د. أي لازم يعتمد عليه المنطقي؟
يبين بديع الزمان أن المنطقي يعتبر في دلالة الالتزام خصوصًا اللازم الذهني البين؛ أي ينبغي أن ينتقل الذهن من المعنى الأول إلى لازمه من غير حاجة إلى بحث بعيد عسير.
ومع ذلك لا يظهر اللزوم في صورة واحدة فقط؛ فقد يذكر الشيء شيئًا آخر:
- عقلًا،
- أو عادة،
- أو عرفًا،
- أو شرعًا،
- أو اصطلاحًا.
وقد تكون بعض الروابط دائمة وبعضها عارضة، وقد تتعلق بكلمة واحدة أو بجملة كاملة أو بقصة. أما التعريف الفني الضيق في المنطق فيختار من هذا المجال الواسع ما كان فيه الارتباط الذهني بينًا موثوقًا.
هـ. الأضداد يذكر بعضها بعضًا
وتذكر الحاشية أمرًا لطيفًا: قد يكون من لوازم الشيء أن يذكر بضده؛ لأن الأضداد، ولا سيما إذا كانت بينها نسبة متبادلة، يستدعي بعضها بعضًا سريعًا في الذهن. فالنور يذكر بالظلمة، والليل بالنهار، والحرارة بالبرودة.
ولهذا يمكن القول إن من أسرع ما يذكر به الشيء ضده. ويربط قزل إيجاز ذلك بالقاعدة القديمة التي تفيد أن النقيض يستدعي نقيضه؛ فالذهن إذا أدرك أحد الطرفين استحضر الطرف المقابل للموازنة.
٣. بيان الملا عبد المجيد
يوضح الملا عبد المجيد أن دلالة التضمن ثابتة بالنقل والعقل معًا. فاستعمال العلماء لهذه الدلالة في الأحكام دليل نقلي، وامتناع تصور المعنى المركب من غير أجزائه دليل عقلي.
ولكن وجود الجزء وحده لا يكفي؛ فلا بد أن يصلح ذلك الجزء للدخول في الحد الذي يجيب عن سؤال «ما هو؟». وهكذا يفهم «الحيوان» جزءًا في حد الإنسان، بينما تبقى قابلية تعلم العلم خارج الحد.
ويؤكد في الالتزام قيد «كون المدلول خارج المعنى». فلو أدخل الجزء الداخلي في الالتزام أيضًا لتداخل القسمان وفقد التقسيم قدرته على التمييز.
وفي أنواع اللزوم يذكر الروابط العقلية والعادية والعرفية والشرعية والاصطلاحية. ومع هذا فإن تعريف المنطقي يعتمد في هذا المجال الواسع على الدلالة التي يكون فيها الربط الذهني واضحًا. ويشير الملا عبد المجيد إلى صعوبة استيعاب جميع الصور؛ لأن اللوازم تتنوع على مستوى الكلمة والجملة والقصة والتصور والتصديق.
ويشرح كذلك تذكير الأضداد بعضها ببعض بمثلي النور والظلمة، والليل والنهار، فينبه إلى أن الذهن لا يعرف الشيء في نفسه فقط، بل يعرفه أيضًا من خلال مقابله وعلاقاته.
٤. توضيحات مساعدة
ملاحظة منطقية: التمييز بين الدلالات الثلاث
لننظر إلى لفظ «البيت»:
- دلالته على البناء كله: مطابقة.
- دلالته على الجدار أو السقف، وهما جزءان داخلان في البناء: تضمن.
- دلالته على السكن والحماية، وهما خارجان عن حقيقة البناء ولكنهما مرتبطان به: التزام.
وليس المعيار مجرد «الكل والجزء». ففي الالتزام شرطان إضافيان:
- أن يكون المعنى اللازم خارج المعنى الموضوع له.
- أن تكون بين المعنى الأول ولازمه رابطة محددة يستطيع الذهن إدراكها.
ولذلك لا يصح أن نعد كل تداع شخصي للخواطر دلالة التزام منطقية. فقد تذكر كلمة إنسانًا بذكرى خاصة، من غير أن يكون بينهما لزوم ضروري أو بين.
موقع هذا البحث في بناء السُّلَّم
عرض السُّلَّم أولًا التصور والتصديق، ثم التعريف الموصل إلى التصور والحجة الموصلة إلى التصديق. وبعد ذلك أكمل أقسام دلالة الألفاظ، وهي مواد التعريف والحجة:
- تمام المعنى: المطابقة.
- الجزء الداخل في المعنى: التضمن.
- اللازم الخارج عن المعنى: الالتزام.
ويعين هذا الفرق على معرفة العنصر الذي يدخل حقيقة في الحد، وما يكون نتيجة له؛ كما يعين في الاستدلال على ضبط النتيجة التي يمكن استخراجها من الكلام على وجه مأمون.
٥. صلات برسائل النور
لا تقتصر دلالة المخلوقات على الأسماء الإلهية في رسائل النور على الصورة الظاهرة وحدها. فالزهرة تدل مباشرة على بنيتها، ولكن التقدير والجمال فيها يذكران بالعلم والحكمة، ورزقها يذكر بالرحمة والكرم. وحين يقرأ الوجود بنظر المعنى الحرفي الذي يدل من نفسه على خالقه، ينتقل الفكر من الأثر إلى الفعل، ومن الفعل إلى الاسم، ومن الاسم إلى الصفة.
وقراءة دلائل الكون في الكلمة الثانية والثلاثين وآية الكبرى تربية على هذا الانتقال الذهني. فالنظام المشهود يدل على الحكمة، والتعاون العام على الرحمة، والتقدير المحيط على العلم والإرادة. وهذه ليست خواطر سائبة، بل روابط قوية متكررة بين الأثر والمؤثر.
ومع ذلك لا ينبغي أن نسوي تمام التسوية بين الدلالة المنطقية والتفكر الإيماني. فالمنطق يحلل صورة الانتقال بين اللفظ والمعنى، أما رسائل النور فتقرأ الكون بإرشاد القرآن وتجعل هذا الانتقال في خدمة معرفة الله.
٦. التطبيق اليومي
لنختر اليوم كلمة مهمة نستعملها، ثم نفحصها في ثلاث درجات:
- ما معناها التام؟
- ما الأجزاء الداخلة في ذلك المعنى؟
- ما النتائج الخارجة عنه التي تلزمه لزومًا حقيقيًا موثوقًا؟
ولنستعمل المعيار نفسه عندما نستنبط حكمًا من كلام أحد. فلا ننسب إلى المتكلم حكمًا ليس داخلًا في كلامه ولا لازمًا له. وقبل أن نقول: «بما أنه قال هذا، فلا بد أنه أراد ذاك أيضًا»، فلنتحقق من صحة الرابطة بين الأمرين.
وخلاصة درس اليوم:
التمييز بين تمام الكلام وجزئه ولازمه الحقيقي أمان للفكر، وحفظ لحقوق الأخوة.
وفي الدرس التالي ننتقل إلى فصل جديد من مباحث الألفاظ، فنقرأ تقسيم اللفظ المستعمل إلى مفرد ومركب.
خط المصادر: عبد الرحمن الأخضري، السُّلَّم المنورق، أقسام الدلالة الوضعية؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز، حواشي التضمن والالتزام؛ بيان الملا عبد المجيد النورسي؛ رسائل النور، مباحث المعنى الحرفي ودلائل الكون ومعرفة الله. هذه ترجمة أمينة لمقال سعيد أوزادلي التركي، الدرس الرابع والعشرين المؤرخ في ٨ أكتوبر ٢٠٢٦؛ وحُفظ فيها موضوع المقال وترتيب مصادره ونطاقه من غير إضافة مبحث مستقل جديد.