التَّعْرِيفُ التَّامُّ وَالنَّاقِصُ: الْحَدُّ وَالرَّسْمُ
تعرفنا في الدرس السابق على وظيفة القول الشارح في تحصيل التصور. ونفصل اليوم بين الحد والرسم، وبين التام والناقص منهما. فالتعريف الناقص ليس بالضرورة تعريفاً باطلاً؛ وإنما يختلف عن التام في العناصر التي يشتمل عليها وفي مقدار ما يكشفه من المعنى.
١. متن السلم
فَالْحَدُّ بِالْجِنْسِ وَفَصْلٍ وَقَعَا
وَالرَّسْمُ بِالْجِنْسِ وَخَاصَّةٍ مَعَا
يبين الناظم أن الحد يجمع الجنس والفصل، وأن الرسم يجمع الجنس والخاصة. وبضم هذا البيت إلى الأبيات التالية، وإلى بيان الحاشية، يتضح الفرق بين التعريف التام والناقص. فليس كل جنس مذكور في التعريف جنساً قريباً، وليس كل وصف مميز فصلاً مقوماً.
٢. حاشية بديع الزمان
يبين الأستاذ أن الجنس القريب يلخص ما فوقه من الأجناس والفصول، دون الفصل القريب الذي يميز النوع المقصود. ويفرق بين الفصل الجوهري وبين الأوصاف التي تشير إليه. فالمقصود ليس جمع صفات كثيرة، بل ترتيب ما يعين على معرفة الشيء بحسب مرتبته.
وفي التعريف بالرسم تنبه الحاشية إلى أن اجتماع الجنس والخاصة يراد به هنا الرسم التام؛ ثم يأتي بيان الناقص في الأبيات التالية. ولذلك لا يكفي أن نقرأ البيت وحده ونغفل القيود التي تبينها الحاشية.
٣. بيان الملا عبد المجيد
يوضح الملا عبد المجيد أن الجنس القريب خلاصة لما فوقه من الأجناس، وأن الفصل يميز النوع. كما يفسر قيد الجنس في الرسم التام بأنه الجنس القريب. وفي الحد الناقص يبين صورتين: التعريف بالفصل القريب وحده، أو بالفصل القريب مع جنس بعيد. وفي الرسم الناقص يكون التعريف بالخاصة وحدها أو معها جنس أبعد.
هذه الفروق تبين أن وصف التعريف بالنقص وصف لتركيبه ومرتبته، ولا يساوي الحكم بأنه خال من الفائدة أو أنه مخالف للواقع.
٤. صور التعريف الأربع
الحد التام: بالجنس القريب والفصل القريب. ومن أمثلته التعليمية المشهورة: «الإنسان حيوان ناطق». والناطق هنا يدل على القوة العاقلة، لا على مجرد إصدار الأصوات.
الحد الناقص: بالفصل القريب وحده، أو معه جنس بعيد؛ مثل «الإنسان ناطق»، أو «الإنسان جسم ناطق» في الترتيب التعليمي الكلاسيكي.
الرسم التام: بالجنس القريب والخاصة؛ مثل «الإنسان حيوان قابل للضحك». والمقصود قابلية الضحك، لا أن كل إنسان يضحك بالفعل في كل وقت.
الرسم الناقص: بالخاصة وحدها، أو معها جنس أبعد؛ مثل التعريف بالقابل للضحك وحده، أو بقولنا «جسم قابل للضحك» في المثال نفسه.
هذه أمثلة من اصطلاح المنطق الكلاسيكي لتوضيح بناء التعريف، ولا يراد بها أن تحل محل البحث التجريبي في صفات الكائنات.
٥. لماذا يفيد الرسم مع أنه لا يكشف الماهية كالحد؟
قد نعرف الشيء بعلامته أو أثره قبل أن نعرف حقيقته على وجه مفصل. وفي مبحث الرسم الناقص يوسع الأستاذ مجال التعريف بالمثال والتمثيل والتقسيم والتفسير. ويبين الملا عبد المجيد أن بعض ما لا جنس له لا يمكن تعريفه بالحد الذي يتطلب جنساً، مع إمكان الإفادة في معرفته بطرق أخرى.
ومن هنا ينبغي أن نميز بين تعريف يبين عناصر الماهية، وشرح يقرب المعنى، ومثال يساعد على الفهم. لكل واحد منها وظيفة، ولا يجوز أن ندعي لأحدها كل ما يؤديه الآخر.
٦. صلة منهجية برسائل النور
يمكن تطبيق هذا التمييز في قراءتنا لرسائل النور: نسأل عن وظيفة العبارة، أهي بيان للمعنى، أم تقريب بمثال، أم إقامة دليل على قضية؟ وهذه طريقة قراءة نقترحها انطلاقاً من هذا المبحث، وليست اقتباساً حرفياً من رسالة أخرى.
إن فهم وظيفة الكلام يعين على الانتفاع به. فقد يقرب المثال معنى لا يقصد أن يستوعب جميع تفاصيل الحقيقة؛ وقد يحتاج الحكم بعد وضوح معناه إلى دليل مستقل يثبته.
٧. التطبيق اليومي
إذا وصفنا موظفاً بأنه «حسن التعامل»، فقد عرفنا جانباً من سلوكه، ولم نعرف بذلك جميع خبراته ومهاراته. وإذا شرحنا جهازاً بقولنا «هو الجهاز الذي يقيس كذا»، فقد بينا وظيفته، ولم نبين كل عناصر تركيبه. ينبغي أن نعرف مقدار ما أخبرنا به الوصف ومقدار ما بقي مجهولاً.
وعند الاختلاف في لفظ، نسأل أولاً: ما المعنى المقصود؟ ثم نسأل: بأي وصف عرفناه؟ وبعد ذلك ننظر في الدليل على الحكم الذي نريد إثباته.
خاتمة
التعريف التام والناقص مراتب في البيان، ولكل مرتبة فائدتها وحدودها. ودقة النظر تقتضي ألا نجعل العلامة ماهية، ولا المثال تعريفاً مستوعباً، ولا وضوح المعنى دليلاً كافياً على صحة كل حكم يتعلق به.
المصدر: عبد الرحمن الأخضري، السلم، باب المعرفات؛ بديع الزمان سعيد النورسي، قزل إيجاز، مع شرح الملا عبد المجيد النورسي، النسخة التي نظمها إحسان قاسم الصالحي، الصفحات المطبوعة ١٨٩-١٩٢ (صفحات PDF: ٣٧-٤٠). نقلت معاني الحاشية والشرح بتلخيص، وأضيفت أمثلة تعليمية وتطبيقات للتوضيح.