دُرُوسُ قِزِلْ إِيجَاز - الدَّرْسُ الثَّامِنُ عَشَرَ (Kızıl Îcâz Dersleri-18)

احسان قاسم الصالحي

بَابَا الْمَعْرِفَةِ : التَّصَوُّرُ وَالتَّصْدِيقُ

9 أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٦
بقلم إحسان قاسم الصالحي | ترجمة عربية عن مقال سعيد أوزادلي

رأينا في الدرس السابق أن الاشتغال بالمنطق قيد بشروط، منها الأهلية، والسنّة، والكتاب، وقصد الوصول إلى الصواب. أما السلم فيشرع الآن في المسائل الأساسيّة للمنطق، ويقسم العلم الحادث إلى قسمين رئيسين: التَّصَوُّر والتصديق.
فليس حضور الشيء في أذهاننا هو عين الحكم عليه بأنه «كذلك» أو «ليس كذلك». نحن ندرك المعنى أولا، ثم نربط بين معنيين ونصل إلى حكم.

١. النَّصُّ الْأَصْلِيُّ لِلسُّلَّمِ: أَنْوَاعُ الْعِلْمِ الْحَادِثِ

فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الْعِلْمِ الْحَادِثِ
إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ *** وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ


ومعناه على وجه التقريب:
«سُمِّي إدراك المعنى المفرد تصوّرًا، وسُمِّي إدراك النسبة مع الحكم بها والإذعان لها تصديقًا».

فإذا وقلنا «الإنسان» حضر في الذهن معنى من غير أن يحمل في نفسه حكما بالصدق أو الكذب؛ فهذا تصوّر، وإذا وقلنا «الإنسان فانٍ» ربطنا بين «الإنسان» و «الفناء»، وقبلنا هذه النسبة؛ فهذا تصديق.

٢. شَرْحُ بَدِيعِ الزَّمَانِ فِي قِزِلْ إِيجَاز

أ. الإِدْرَاكُ: فِعْلٌ وَصِفَةٌ وَصُورَةٌ ذِهْنِيَّةٌ

لا يتناول بديع الزمان لفظ «الإدراك» على أنه صورة سلبية فحسب بل للنفس، أي للإنسان المدرك، فعل في هذه العملية. ويُنشئ هذا الفعل مناسبة بين العالم والمعلوم، وينتج عنه انفعال الإنسان وحصول كيفية وصورة في الذهن.

ويبين الشرح أن الصورة الذهنية الواحدة يمكن النظر إليها من جهتين:
• فهي من جهة اتصاف الذهن بها علم، أي صفة للعالم.
• وهي من جهة كونها حاضرة في الذهن ومتوجها إليها معلوم.

فالوجود الخارجي للشيء لا يدخل في أذهاننا بعينه، وإنّما يحصل في الذهن معنى وصورة له، ومن طريق هذه الصورة الذهنية تتحقق المعرفة.

ب. إِدْرَاكُ الْمُفْرَدِ: التَّصَوُّرُ

التصور هو إدراك معنى واحد من غير حكم؛ ففهم ما تدلّ عليه كلمات مثل «الشجرة» و«العدل» و«الإنسان» و «الإيمان» يدخل في باب التصوّر.

ويفهم بديع الزمان قيد «المفرد» على وجه واسع؛ فقد توجد معانٍ تُلمح فيها نسبة على سبيل الإجمال، ولكن ما لم ينشأ حكم صريح مفصل، فالأصل أنها من التصوّر.

وفي الشرح قيد دقيق آخر: إنّ العبارة المطلقة في البيت تدلّ على «التصوّر المطلق»، لا على «مطلق التصور» الذي يشمل كل تصوّر ولو اقترن بالحكم. وهكذا يُضبط التعريف بحيث لا تختلط حدود التصور بالتصديق.

ج. التَّصْدِيقُ: رَبْطُ النِّسْبَةِ وَقَبُولُهَا

ليس التصديق مجرد وضع مفهومين أحدهما بجانب الآخر. فمعرفة مفهومي «الإنسان» و «الفاني» كل على حدة تصوّر. أما في الحكم «الإنسان فانٍ» فإنّنا نربط المحمول بالموضوع، ونقبل تحقق النسبة بينهما.

واستعمال بديع الزمان في الشطر الثاني لفظ «الدَّرْك» بدل «الإدراك» يشير إلى أن الفرق بين التصور والتصديق ليس في المعلومات وحدها، بل في طريقة العلم أيضًا. فالتصوّر يتقدم بتحليل الأجزاء وإدراكها منفصلة، أما التصديق فيربط الأطراف بعضها ببعض وينشئ حكمًا.

وأهم قيد في الشرح هو الإذعان؛ فالتصديق قبول قلبي واعتراف يأتي بعد إدراك تحقق النسبة على وجه التفصيل. وليس العلم بألفاظ الحكم أو إنشاء النسبة في الذهن وحده تصديقًا كاملا، بل لا بد من اطمئنان القلب إلى ذلك الحكم وارتباطه به.

د. النِّسْبَةُ وَوُقُوعُهَا وَالْإِذْعَانُ

يحسن هنا أن نميز بين ثلاث مراتب:
١. تصوّر الطرفين: إدراك معنيي «الإنسان» و«الفاني» كلا على حدة.
٢. ملاحظة النسبة: فهم إمكان حمل الفناء على الإنسان.
٣. التصديق والإذعان: قبول تحقق الحكم «الإنسان فانٍ».

وقد اختلف المناطقة في عدد أجزاء التصديق وكيفية تعريفه، وذكر قزل إيجاز هذا الخلاف الفنّي. غير أن المقصود الأساس لنا هو أن التصديق يزيد على مجرد تصوّر النسبة؛ إذ يتضمّن الارتباط بالحكم وقبوله.

٣. إِيضَاحُ الْمُلَّا عَبْدِ الْمَجِيدِ

يشرح الملا عبد المجيد الصورة الحاصلة في الذهن وقت الإدراك من جهتين؛ فهي «علم» لأن الذهن ينتقش بها ويتصف بها، وهي «معلوم» من جهة كونها حاضرة في الذهن وموضوعًا للمعرفة.

ويفصل الفرق في تعريف التصوّر بين «التصوّر المطلق» و «مطلق التصوّر». فإذا ترك التصوّر واسعًا بحيث يشمل الأحوال المقترنة بالحكم اختلط حدّه بحد التصديق، ولذلك يُراد في التعريف التصوّر المجرّد الذي لا يحمل حكمًا.

وفي مبحث التصديق يقارن بين تعريفات المتقدمين والمتأخرين من المناطقة. فيرى اتجاه أن التصديق إدراك النسبة التامة بين الطرفين، ويركّز اتجاه آخر على إدراك وقوع هذه النسبة في نفس الأمر. ويذكر الملا عبد المجيد بأن بديع الزمان وصف هذا الإدراك في مواضع أخرى بـ «الإذعان»، أي الاطمئنان القلبي والقبول.

ويفتح هذا الإيضاح بابا مهما يصل التعريف المنطقي بحقيقة الإيمان: فلا يكفي أن يتلفّظ المرء بكلمة التوحيد ليبلغ حقيقة الإيمان ما لم يكن في قلبه اطمئنان بمعناها وارتباط بها.

٤. إِيضَاحَاتٌ مُسَاعِدَةٌ

يعمل الفرق بين التصوّر والتصديق في تفكيرنا اليومي باستمرار:
• معرفة معنى «الرحمة» تصوّر.
• قبول الحكم «الرحمة ترفع الإنسان» على أنه صحيح تصديق.
• معرفة ماهية الصلاة تصوّر.
• قبول الحكم «الصلاة وظيفة المؤمن» تصديق.
• معرفة تعريف الصدق تصوّر، والإيمان بوجوبه تصديق، وتحويله إلى سلوك عمل.

وهذا الفرق الأخير مهم أيضًا: فالحكم المصدّق به في المنطق لا يصير عملاً ما لم يتحوّل إلى سلوك. والتصور والتصديق والعمل مراتب متمايزة، ولكن بعضها يكمل بعضًا في طريق كمال الإنسان.

٥. صِلَاتٌ بِرَسَائِلِ النُّورِ

لا تتناول رسائل النور الإيمان على أنه معلومة ذهنية فحسب. فالإيمان التحقيقي تصديق قائم على الدليل، يصير في القلب إذعانا واطمئنانا. وقد يتصوّر الإنسان معاني كثيرة في وجود الله، ولكن الإيمان يطلب التصديق القلبي بهذه الحقيقة وأن توجه الحياة.

وفي إشارات الإعجاز وسائر مباحث الإيمان يتكرّر بيان العلاقة بين تصديق القلب وإقرار اللسان. ويلتقي قيد «الإذعان» في قزل إيجاز مع هذا الخط: فلا يكفي سماع الحقيقة، بل ينبغي فهم معناها؛ ولا يكفي فهمها، بل ينبغي الارتباط بها قلبا.

ومنهج التحقيق في رسائل النور يوضّح المفاهيم أولا، ثم يقيم النسبة بين الأدلة، ويدعو القارئ إلى التصديق. ولذلك لا يقوم تصديق راسخ من غير تصوّر، غير أن الوقوف عند التصوّر وحده لا يبلغ بالإنسان الارتباط القلبي الذي يستهدفه الإيمان.

٦. التَّطْبِيقُ الْيَوْمِيُّ

لنختر اليوم حكما نقول إنّنا نؤمن به، ثم نفحصه في ثلاث مراتب:
١. التصوّر: هل أعرف حقًا معاني المفاهيم الأساسية في هذه الجملة؟
٢. التصديق: بأي دليل أقبل صحة النسبة بين هذه المفاهيم؟
٣. الإذعان والعمل: هل يرتبط قلبي بهذا الحكم، وهل تصدقه سلوكياتي؟

ولنحرص على تصوّر طرفي المسألة على وجه صحيح قبل إصدار الحكم فيها. ولنتجنب إنشاء الأحكام بألفاظ لا نعرف معانيها، أو تصديق قول سمعناه من غير دليل.

خلاصة اليوم:
التصوّر يُحضر المعنى إلى الذهن، والتصديق ينشئ الحكم بين المعاني، والإذعان يربط القلب بذلك الحكم.

وفي الدرس القادم نقرأ لماذا يتقدم التصوّر على التصديق، وما موقع الترتيب الفطري في تعلم العلوم.

خط المصادر:
عبد الرحمن الأخضري: السُّلَّم المنورق، فصل «أنواع العلم الحادث» | بديع الزمان سعيد النورسي: قزل إيجاز، الحواشي على بيت التصوّر والتصديق | إيضاح الملا عبد المجيد النورسي | رسائل النور: مباحث الإيمان التحقيقي وتصديق القلب والإذعان.

İlk yorum yazan siz olun
YORUM KURALLARI: Risale Haber yayın politikasına uymayan;
Küfür, hakaret, rencide edici cümleler veya imalar, inançlara saldırı içeren, imla kuralları ile yazılmamış,
Türkçe karakter kullanılmayan ve BÜYÜK HARFLERLE yazılmış yorumlar
Adınız kısmına uygun olmayan ve saçma rumuzlar onaylanmamaktadır.
Anlayışınız için teşekkür ederiz.